في ذكرى الملتقى الفكري العالمي بديبوك

0 1٬128

*هشام النجار

الفكرة في البداية رائعة ودائماً اندونيسيا سباقة ورائدة وتمسك بزمام المبادرة وتستبق الأحداث بالتبكير وتفعيل الأفكار الكبيرة والمهمة، والفكرة كانت قبل عامين بديبوك  احدى المدن فى إندونيسيا لتوضيح حقائق الأشياء وخلفيات الأحداث والمستجدات على الساحتين الفكرية والسياسية في الشرق الأوسط ، لتكون الأمور واضحة جداً أمام العلماء والمشايخ والأئمة باندونيسيا.

وبرعاية وإشراف وزارة الخارجية الاندونيسية وجمعية نهضة العلماء ومنظمة المؤتمر الدولي للعلماء والمثقفين تمت دعوتي مع لحضور هذا المؤتمر الذي ضم أكثر من ثلاثمائة وخمسين عالماً وشيخاً من أئمة وعلماء يمثلون أهم علماء ودعاة اندونيسيا، ليستمعوا لآراء ورؤى المسئولين والسفراء والمتخصصين من كتاب وعلماء دين من الشرق الأوسط .

هنا تأتى أهمية المبادرة باستباق الأمور والتداعيات وحسمها، عندما رأت هذه الجهات الراعية أن الرؤية مشوشة وغير واضحة مما قد ينتج عنه رؤى أيضاً مشوشة وغير واضحة بشأن طبيعة الصراعات والأحداث وخلفيتها بالشرق الأوسط والبلاد العربية.

وكم نحن بحاجة إلى هذه المبادرات الفكرية الإستباقية الإستشرافية التي تحمى وتصون وتحصن عقول الأجيال والشباب من انتشار الأوبئة الفكرية، وحتى لا ينجح المغرضون وأصحاب المصالح السياسية في استغلال السيولة الفكرية والانشغال بالصراعات والثارات السياسية والنفاذ من مزاعم الاضطهاد والمحنة لتبرير وتمرير أفكار مناهضة للنهج الإسلامي الوسطى الصحيح، ونشر مفاهيم مناقضة للثوابت الإسلامية في منهجية الحركة والخطاب والأداء السياسي والدعوى.

حملت هذه الندوة العالمية المهمة عنوان “الصراع وعملية التحول الديمقراطي، الربيع العربي، في الشرق الأوسط ” وأقيمت في معهد الحكمة الإسلامي بديبوك في جاوا الغربية.

ومن المحاضرين فى هذه الندوة الأمين العام للمؤتمر العالمي للمثقفين الإسلاميين، ووزيرة الخارجية الاندونيسية وأيضاً رئيسة اندونيسيا السابقة السيدة ميجاواتى سوكارنو، ووزير الأوقاف السنية العراقى ووزير الأوقاف الشيعية بالعراق والشيخ خالد الملا رئيس مجلس العلماء بالعراق، وبشار سمرة القائم بالأعمال بسفارة سوريا بجاكرتا وقائد الجيش الوطني الاندونيسي ورئيس الشرطة الاندونيسية والسيد سفير فلسطين باندونيسيا والسيد سفير مصر باندونيسيا والسيد سفير اندونيسيا بمصر ومدير إدارة الشرق الأوسط بوزارة الخارجية الاندونيسية .

وكانت محاضرتي فى هذا المؤتمر الهام تدور حول تأثير ممارسات الإسلاميين السلبية على الربيع العربي والتحول الديمقراطي، ومن ثم البدائل المنهجية والفكرية التي كان من الممكن أن يرتقى بها الإسلاميون إلى ذروة هذه الفعاليات الجماهيرية ويحافظون من خلالها على مستواهم ومكتسباتهم وحضورهم السياسي وعلى الساحة الدعوية.

تدرك اندونيسيا المخاطر بمؤسساتها ورموزها الفكرية والعلمية ومسئوليها، فهي أهمية عدم خلط القضايا وبأن قضية فلسطين العادلة التي تقف إلى جوارها ويدعمها ويؤازرها المسلمون لا ينبغي استغلالها في مسارات تضر ببنية الدول العربية والإسلامية.

وترى أن تهديدات التنظيمات التكفيرية المسلحة لا يقل عن تهديدات إسرائيل لاستقرار المنطقة، فممارساتها ليست فقط مخالفة للشريعة الإسلامية، إنما خارقة للقيم الإنسانية ومدمرة للدول وممزقة للمجتمعات وهادمة للحضارات.

وتضع اندونيسيا تأثيرات ما يحدث في الشرق الأوسط وإنعكاساتها على الداخل الإندونيسي في الاعتبار، فبالرغم من الأميال التي تفصل اندونيسيا عن الشرق الأوسط جغرافياً، إلا أن الصراعات والتوترات تؤثر سياسياً واجتماعياً على اندونيسيا، وهناك من الشباب الاندونيسي غير الواعي من أبدى تعاطفه مع داعش، وهناك من المدنيين الاندونيسيين من انضموا لمجموعات تكفيرية مسلحة بسوريا والعراق.

يفكر الاندونيسيون بطريقة وبأسلوب استشرافي مستقبلي نفتقده نحن هنا في مصر، فهم يخشون من ردود الأفعال والتجاوبات الحماسية العاطفية لدى الشباب الاندونيسي وما قد ينتج عن ذلك مستقبلاً  من تأثير سلبي على الوضع السياسي والقومي والديني باندونيسيا، وهو الأمر الذي يتطلب المعالجة بطريقة صحيحة وسريعة، لأنهم لو تراخوا وتكاسلوا وتباطأوا وتركوا الأحداث والظروف هي التي تقرر وتحدد مصير المنطقة كلها، فلا شك أنه من الممكن أن تنتقل رياح التوترات من الشرق الأوسط إلى اندونيسيا، خاصة وأن مشاريع التنظيمات التكفيرية مثل داعش والقاعدة هي مشاريع عابرة للحدود، فضلًا عن سعيها لتخفيف الضغوط عليها في معاقلها بسوريا والعراق بالذهاب لمراكز بعيدة عن أماكن الحرب والصراع.

القادة والمسئولون والمفكرون عليهم مسئوليات عظيمة وجسيمة ولابد وأن يرتقوا إلى مستوى الأحداث الضخمة التي تمر بها المنطقة ودول العالم، ولابد من التفكير والتصرف برؤى إستشرافية إستباقية، وان لم يحدث ذلك فستصبح الأزمات أسرع وأكبر بكثير من قدراتنا على الحل والاحتواء، وبعد عامين من هذا المؤتمر ومع مستجدات الأحداث التي عايشناها خلال الفترة الماضية ثبت مدى أهمية المبادرة والحسم السياسي والفكري السريع، لأن من آثر الإنتظار والتباطؤ واستخف بما يحدث فسينفجر في وجهه الإعصار الذي سيجرف معه كل شيء .

وفى قضايا الإرهاب والتطرف والتكفير واستخدام العنف والسلاح، الوقاية خير من العلاج واستباق الأحداث كفيل بتفكيك المشكلة وحل جزء كبير من الأزمة ، فالإرهاب أسرع بكثير مما نتصور وينمو ويستفحل تلقائياً في فترات زمنية قياسية، والدول التي تتصرف وتتعاطى مع قضاياه بشكل نمطي تقليدي سيسبقها بمراحل ولن تستطيع اللحاق به.

*كاتب صحفي ومفكر مصري

[email protected]

تعليقات
Loading...