قراءة في الرؤية الكلية للعلامة عبد الحميد أبو سلميان

0 102

قراءة: خالد عبد المنعم

عبد الحميد أبو سليمان الإنسان

علاقتي الدائمة والمستمرة مع الدكتور عبد الحميد بدأت منذ عام 1995، فقد قابلته لأول مرة عند زيارته السريعة للقاهرة عندما كان مديراً للجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، ثم تكررت تلك اللقاءات بعد أن أصبح رئيساً للمعهد العالمي للفكر الإسلامي وأصبح مسؤولاً بصفة مباشرة عن أعمال مكتب القاهرة والذي كان يمثله مركز الدراسات المعرفية.

بعد كل تلك السنوات تكونت علاقة اعتبرها في الواقع علاقة أبوية أكثر منها علاقة بين رئيس ومرؤوس، فلا يمكن أن تقترب من الدكتور عبد الحميد إلا وتلمس فيه مودة ورحمة وأبوية واهتمام بكل من حوله، وقد أسعدني الحظ أن كل الأوقات التي كان يقضيها في مكتب مصر كنت الازمه من الصباح حتى المساء، فقد كان يهتم بكل التفاصيل الخاصة بالمشروعات التي يقترحها هو أو مكتب القاهرة، أو تأتينا من خلال المفكرين المتعاملين مع المعهد، ويجري اجتماعات دائمة مع الفرق البحثية التي تتشكل لتلك المشروعات، وتتخلل تلك اللقاءات أوقات كنا نجلس فيها سوياً فيحدثني واحدثه في موضوعات شتى، وكان يستمع جيداً، وكانت لديه سعة صدر وديمقراطية حوار لم أعهدها إلا معه ونفر قليل ممن عرفتهم في حياتي، لدرجة أصبحت الشهور التي تمر دون أن يزور مكتب مصر، أصبحت تمر ثقيلة يصحبها الحنين للقاء المرتقب مع والدنا الحبيب د. عبد الحميد أبو سليمان.

كان يجلس الساعات الطوال في مكتب القاهرة يسند رأسه الكريمة إلى عصاه يستمع إلى من يحاوره، وحين نتحدث إلى الجمهور فيقول لنا: ما هذا الكلام الكبير الذي يفوق قدرة المستمعين إليكم، ماذا تعنون بأن القرآن جملة واحدة، ماذا يعني قراءة سياقية، وبعد أن يذهب جمهور المتلقين يجلس معنا د. عبد الحميد على ألوان شتى من الطيف الفكري والمعرفي ليخبرنا بأننا ننجز صناعات فكرية ثقيلة تحتاج إلى كذا وكذا، وحتى يتم إنجازها تحتاج إلى كذا وكذا. فندرك حينها أنه يريد أن يوصل إلينا رسالة فكرية عميقة حين كان يتساءل، تساؤل المعلم والموجه، الذي يفتح لنا الطريق الأمثل لإنجاز تلك الأعمال، ثم ييسر لنا سبل تمويل تلك المشروعات ضمن أطر الواقع المصري، ويشد على أيدينا ويقول لنا أنتم خدام لدى الأمة.

منهجيته المعرفية التي تنطلق من رؤية قرآنية

كانت الأمة دائماً شغله الشاغل، وكما يقول هو عن نفسه، فقد أتاحـت لي مكة أن أرى جموع المسلمين يأتون إليها من كل فج عميق، والاحظ ما هم عليـه مـن فوضى في أداء مناسك الحج، وأقارن حالهم التعيس بما كـان عليـه المـسلمون في أيـام مجدهم من قوة وتحضر. ويحمـل هـم التـساؤل لمـاذا وصـل المـسلمون إلى هـذا الحـال وكيف يمكن أن يستعيدوا دورهم الحضاري في هذا العصر؟ فقـد تفرغ في طفولته للقراءة، وأصـدر صـحيفة ورقيـة مدرسـية في الصف الخامس أو السادس الابتدائي، وكانـت كلمـة التحريـر للطفـل عبـد الحميـد تعلوهـا صـورة سرير وعليه إنسان مريض والتعليق: آما آن لهذا الشعب أن يستيقظ؟

ويشير د. عبد الحميد أبو سليمان أنه قرأ في تلك الفترة سقوط الأنـدلس للأسـتاذ محمد عبد الله عنان، التي فجرت عنده كل مشاعر الغضب لديه لما أصـاب المـسلمون مـن ضعف وهوان وما لحق بهم من عنـف وطغيـان …. ولذلك كانت دراسته في المرحلة الجامعية تعبيراً قويا عن مدى اهتمامه بأحوال الأمة، فقد اختار الدراسة في قـسم الاقتـصاد والعلـوم الـسياسية، بجامعة القاهرة وحصل عــلى البكــالوريوس في العلــوم الــسياسية عــام ١٩٥٩م والماجــستير عــام ١٩٦٣م، والملفت للنظر أنه قدم للمكتبة العربيـة الإسـلامية دراسـته الأولى والمهمـة بعنوان «نظرية الإسلام الاقتصادية: الفلسفة والوسائل المعـاصرة» عـام ١٩٦٠م أي  قبل حصوله على الماجستير بثلاثة أعوام تقريبًا، ومن يقرأ تلك الرسالة يدرك أنها تمثل نواة مـنهج إصـلاح الفكـر والبحـث لـدى د. عبد الحميد أبو سليمان.

تلك النواة التي سـتزداد ثـراًء ونـماًء مـع ممارسـاته العلميـة التالية، وتتمثل تلك النواة في أن التناول الأمثل لقضايا الأمة السياسية والاقتـصادية والاجتماعية في أثناء بحثنا إنما يكون في تكامل المعرفة الشرعية والمعرفة الإنسانية لتلك القضايا.  وجاءت رسالة الدكتوراه في العلاقات الدولية والتي نالها من جامعة بنسلفانيا الأمريكية لتؤكد منهجـه في الفكـر والبحـث والـذي يجمـع بـين المعرفـة الإنسانية والكونية والمعرفة الشرعية في قضية البحث ونظريـة العلاقـات الدوليـة في الإسلام، وطبق بنجاح هذا المنهج خـلال دراساته المختلفة  ورضي عـن نتـائج هـذا التطبيق، وكان دائماً يحاول فهم الواقع من خلال  فهم كل النصوص القرآنية والنبوية ذات الصلة بموضوع البحث جنبًا إلي جنب مع ما تقرره الدراسات المعاصرة لتجلية جوهر الإشكالية محل البحث عـلى أسـاس مـن الوحدة والتكامل المعرفي، بين المصدر الحاكم لهـا وهـو القـرآن ومـا صـح مـن الـسنة سندًا وفقهًا، وبين ما يصل إليه العقل الإنساني حول سنن الاجـتماع وطبـائع الأنفـس وحقائق الكون.

كانت اليابان حاضرة في الكثير من الأمثلة التي كنت يسوقها في كيف أن اليابان استطاعت أن تنمي قدرة أبنائها من خلال منظومة تعليمة وتربوية انطلقت من قيمها ومبادئها بحيث أصبحت من أولى دول العالم في إنتاج المعرفة والتكنولوجيا، وهي البلد التي لا تملك موارد طبيعية ولكن تملك ما هو أثمن من ذلك وهو الإنسان الذي استطاعت أن تستثمر فيه، فانطلق مشروعها الحضاري بحيث سبق أمم أرادات اليابان يومًا ما أن تتعلم منهم النهضة..

كانت رؤيته دائماً تنطلق من استحضار حقيقة أن القرآن الكريم، كما أفصح هو عن نفسه، وكما بينته السنة النبوية: كتاب رباني يهدي للتي هي أقوم، يستحيل أن يأتي الثقلين الإنس والجن مجتمعين بمثله، فصله الله تعالى على علم ليكون هدى ورحمة للمؤمنين، وليخرجهم به من الظلمات إلى النور بإذنه جل وعلا. وهو وحده المخرج للأمة الخاتمة من الفتن. ففيه نبأ ما قبلها وخبر ما بعدها وحكم ما بينها. وهو القول الفصل الذي يقصم الله كل جبار يتركه ويبتغي الهدى في غيره. وهو حبل الله المتين والذكر الحكيم والصراط المستقيم، الذي لا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه. والأمة الإسلامية استطاعت في بداية نشأتها أن تتمثل القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة فكان القرآن يتنزل على النبي r والكل يراه، والكل يعلمه ويشاهده، فحققوا القرآن بالعمل، وما توفي رسول الله r إلا وكل واحدٍ من أصحابه قرآنٌ يمشي على وجه الأرض، وهذه الأمة شرفها الله تعالى بأن تكفل لها بحفظ ذلك الكتاب والمنهج،  ومع ذلك نحاول أن نفهم الأسباب التي حالت -حتى اليوم – دون نجاح مشروع الإصلاح الحضاري الإسلامي وإحداث التغيير المطلوب في الأمة؛ على الرغم من مرور أكثر من تسعة قرون على صيحة أبي حامد الغزالي في “تهافت الفلاسفة” و”إحياء علوم الدين”، وعلى الرغم من مضي أكثر من قرن على رؤية الكواكبي في سمو مبادئ الإسلام ومقاصده وغاياته وقيمه في كتابه الشهير “أم القرى”، وصيحة اتهامه وغضبه على “أصل الداء وأس البلاء” في كتابه الأشهر “طبائع الاستبداد”، ومع ذلك فلا حِلمٌ تحقق ولا جورٌ تبدد حتى اليوم بعد فترة الخلافة الراشدة، وعلى فترات متفاوتة من حياة الأمة.

تحدث كثيراً عن الرؤية الكونية القرآنية الحضارية من حيث تحديدها للعلاقة بين الأنا والآخر وللسلام العالمي وجمعها بين المثالية والواقعية ومبادئها وأسس ومنطلقات ودوافع الإعمار فيها وخلفياتها الكامنة، وكيف يمكن الاستعانة بها في بناء العلوم الاجتماعية الإسلامية. وقال إن “الرؤية القرآنية ليست رؤية للمسلمين وحدهم بل للإنسانية جمعاء. وهي رؤية فطرية استخلافية علمية عالمية، تقوم على قوة الحق والتمكين للعدل والإحسان والسعي والإبداع والعطاء والعزة والكرامة والإخاء والتكافل والرحمة والسلام، وربط القول بالعمل، لبناء حاضر ومستقبل مشرقين للإنسانية على يد أجيال من المأمول تنشئتهم بها وعليها.

ومفتاح رسم معالم تلك الرؤية هو منهاجية تقوم على الاسترشاد بالوحي المنزل بنصه ومقاصده، وبالنموذج التطبيقي له في الصدر الإسلامي الأول، وبخبرة دراسات الفطرة الإنسانية الاجتماعية والسنن الكونية في واقع الزمان والمكان. والسؤال المحرك للسعي إلى بناء تلك الرؤية هو تفسير لغز ضخامة الموارد المادية والمعنوية القيمية لأمتنا مع تواصل ركودها، بما يؤشر على وجود خلل في الفكر وفي منهج الفكر كامن في قلب أزمتها، وهو ما كشفت عنه بالفعل جهود المعهد العالمي للفكر الإسلامي وتجربة الجامعة العالمية الإسلامية بماليزيا، التي يمكن تلخيص عبرتها في أن: معرفة الصواب لا تكفي لتحويله إلى سلوك. ومعرفة الخطأ لا تكفي لاجتنابه. فالأمر الأهم هو بناء الوجدان الذي ينزع إلى الالتزام بما يراه العقل. وخبرة بني إسرائيل مع نبيهم موسى u، بعد أن نجاهم الله من القهر الفرعوني تبرهن على أن عقدة الاستعباد لا تزول بمجرد معرفة الصواب، بل تلازم من لا يتغير وجدانه فيسيء استعمال حريته، ويحتاج إلى عملية تربية جيلية.

ومن هنا تتلازم أزمتي (الفكر الإسلامي) و(والإرادة والوجدان الإسلامي). فوجود غاية إنسانية مقدم على امتلاك أدوات العمران. وبغياب الغاية لن يتغير حال الأمة مهما امتلكت من الوسائل، وستظل نهبًا للمحاكاة الفاشلة. ولن توجد غاية إلا إذا تم بناء الوعي برؤية كلية إيجابية ينبع منها الهدف والدافع لتحقيقه. وبدون تلك الرؤية الكونية القرآنية الحضارية ستظل كل إمكانيات الأمة المادية والقيمية أشبه ما تكون بقطع السيارة المفككة، لا يؤمل أبدًا أن تحقق حراكًا حضاريًا مهما عظمت.

كان يرى أن لكل أمة رؤية كلية تنبثق منها منهاجيتها في التفكير وإطارها المرجعي، وسعيها العمراني. وأي خلل جوهري يلحق بتلك الرؤية بتشوهها أو تغييبها يفضي بالضرورة إلى سلبية الأمة وتيه عقليتها وشل فاعليتها الحضارية، وتبديد مفاهيمها. ومعنى ذلك أن الركيزة الأم للفاعلية الحضارية للأمة هي: رؤية كلية مستقرة في ضميرها. والمنبع الصافي للرؤية الكونية للأمة الإسلامية هو القرآن. فهو معين تحديد هويتها، ومصدر إجاباتها على كافة الأسئلة النهائية. وبقدر نقاء تلك الرؤية والوعي بها يتحدد مدى فاعلية ثروة الأمة من المبادئ والمفاهيم والقيم. وضبابية تلك الرؤية تورث السلبية وتسطيح الفهم والخرافة بالضرورة، وهي التفسير الصحيح لما تعانيه أمتنا من تيه. ولتلك الضبابية مصدران: جمود الموروث الفكري والانبهار الساذج بالنموذج المعرفي الغربي القاهر. ولا مخرج من تلك الضبابية المورثة للتيه إلا بمراجعة نقدية جادة للتراث الإسلامي والإنساني بوجه عام بميزان قرآني جامع.

وكان دائم التنبيه إلى تجلية الفارق الرهيب بين الرؤية الكلية الإسلامية في نقائها الأول، وتلك الرؤية الكلية التي تشكلت في العهود المتأخرة في ظل استحكام الجمود والتقليد وغياب الاجتهاد، وعمود تلك الرؤية هو الحب الشامل لعلاقة الإنسان بكل أنساقه المجتمعية بالوجود كله. ولتلك المنظومة نواة هي صدارة حب الله لحب كل ما عداه. وبتلك الصدارة يتوجه الحب وجهة صحيحة إلى تحقيق الذات الفردية والجماعية بإيجابية واختيار حر متناغم مع كل ما بالوجود. ومن هنا تتألق فطرة الله التي فطر الناس عليها، في دفع الله تعالى الناس بعضهم ببعض، في جدلية النفس الأمارة بالسوء مع النفس اللوامة وصولاً إلى النفس المطمئنة.

وتشتت الأمة بتشتت رؤيتها العقدية، واهتمت دراسات د. عبد الحميد دائماً بإعادة بناء العبادات والمعاملات على ركيزة العقيدة الإيمانية الراسخة الفطرية العقلانية حيث يتأسس الظاهر الإسلامي الصحيح على البنية الجوانية القلبية. ومن هنا تتعلق أركان الإسلام جميعًا بتربية الروح الفردية والجماعية المتراحمة. وأسفر ضعف هذا المعلم عن مفارقة التراكم الحضاري المادي المصحوب بتراجع استخلافي روحي. وأخفى الأول الثاني، وعتم على تراجع الأداء الإسلامي الحضاري وتكلس نظام مجتمع الأمة. وبمرور الزمن تفاقم ذلك التشوه العقدي الفكري الحضاري مولدًا أمراضًا حضارية خطيرة يتصدرها: الخرافة، وتوهم إمكانية وجود تعارض بين العقل والنقل. ذلك أن العقل لا يتعارض أبدًا مع الوحي. فوظيفة العقل هي تحرير مدى التوافق بين الفكر الإنساني، وكل من الفطرة والوحي والسنن الكونية

وخلاصة القول إن الوحي والفطرة والسنن والعقل كلهم جميعًا من صنع الله. ومن ثم لا مجال لتنافر حقيقي بينهم. ومصدر توهم إمكانية التناقض بين العقل والوهم هو المنطق اليوناني الصوري والفلسفة الأسطورية السفسطائية. ولا سبيل لاستعادة وحدة الأمة وفاعليتها الحضارية دون تخليص العقل المسلم منه ومن آثاره الفتاكة.

ومن منهجيته أهمية الوعي بقابليات الترقي والتدسية اللامتناهيين لدي الإنسان فالقرآن الكريم يؤكد على أن الإنسان قابل للترقي العمراني بالتزام الفطرة السوية والسعي العقلي في الاستفادة من الطيبات المسخرة في الكون واجتناب الخبائث. فلا حدود للإبداع الإنساني والحياة الطيبة في مجال الخير لدى استقامته. وفي المقابل فإنه لا حدود لانحطاط الإنسان ولحياة الضنك والخيبة حين انحرافه عن الجادة وتدسيته لنفسه. ووعد الله الأبدي للبشرية هو: الكشف المستقبلي الدائم لآياته في الأنفس وفي الآفاق حتى يتبين لهم أنه هو الحق. ومعنى ذلك أن الإيمان الصحيح بالوحي، لا يلغي الفطرة ولا يحول دون تحقيق الذات الإنسانية، ولا يلقي على عاتق الإنسان تكليفًا مغايرًا لفطرته التي فطره الله عليها وللسنن الكونية.

وباستعراض المعالم السابقة لمنهجية د. عبد الحميد وكذلك للرؤية الكونية القرآنية يتكشف لنا أنها رؤية تقوم على الوسطية التي لا تعرف التفريط ولا الإفراط في السعي الإنساني الفطري السوي في الكون المسخر لاستخلافه بما يحقق الإبداع الإنساني العمراني الفردي والجماعي. وبذا لا تكون التضحية إلغاء للذات بل تحقيقًا لها. ويتسع بذلك مفهوم الصدق والصدقة بحيث يكون كل فعل يلبي حاجة إنسانية حقيقية صدقة. فحتى الاستمتاع الجنسي المشروع يدخل في عداد الصدقة. ويصير ميزان العمل هو النية

وتنتظم تلك الوسطية الفطرية بمنظومة حب لله ولرسوله ولكل ما أمر به الله، بغض واجتناب لكل ما نحى عنه من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وفي الصدارة منها غواية الشيطان واستذلاله والقنوط من رحمة الله وعفوه، ومن قبوله، وظلم النفس، وظلم الغير، وولاية الشيطان.

ومن ضمن سمات الرؤية الكونية الكلية الغائية الأخلاقية: تقوم الرؤية القرآنية الكلية على أن الوجود لم يخلق عبثًا بل لغاية تقتضي التعامل الإنساني الأخلاقي مع كل مكوناته. بنواظم المودة والرحمة والمعروف والإحسان. ومعنى هذا أن الرؤية الكونية الحضارية القرآنية رؤية توحيدية إعمارية غائية أخلاقية تفعل الفطرة السوية وترشدها سعيًا لتحقيق الحياة الطيبة والسعادة في الدنيا والآخرة. وكذلك الإنسانية الجامعة: فلا تقف الرؤية الكونية القرآنية عند حد بيان هوية المسلم، بل تحدد تلك الهوية ضمن الهوية الإنسانية الجامعة. ومن هنا يختلف مفهوم الأنا والآخر في منظورها عن أية رؤية كونية أخرى. فالأنا المسلم متكامل مع كل آخر. ويوحد بينه وبينهم الانتماء إلى الكل الإنساني النابع من أصل واحد.  وتتعدد انتماءات الأنا والآخر في هذا المنظور القرآني، على نحو يجعل الأنا هي الـ (هم) وال (هم) هي الأنا، بوحدة الأصل والفطرة وغاية الوجود ومناط المسؤولية والخلافة في الأرض، والأمانة التي حملها الإنسان.

وكذلك عالمية السلام: فتقوم الرؤية الكونية الحضارية القرآنية على مبدأ وحدة السلام الإنساني. فالقرآن خطاب إلى الإنسان، بل إلى العالمين. ولا مجال في ظل هذا الخطاب للعنصريات القبلية والقومية التي تقوم على إقصاء الآخر وعلى الاستعلاء على الأنداد وعلى التمايز السلبي الحيواني بين بني الإنسان. وفحوى الخطاب العالمي القرآني هي التنوع في إطار الوحدة الإنسانية المتراحمة والمتكاملة والمتفاعلة من أجل الخير في أمن وسلام.  ويؤكد هذا البعد من الرؤية الكلية القرآنية على ضرورة التمييز بين الإسلام والمسلم وبين الأمة والدولة والدعوة. فالإسلام هو رسالة الله الخاتمة للإنسان المستخلف لترشيده وتعزيز فطرته برؤية كلية جامعة. أما المسلمون فهم بشر مكلفون يلتزمون بتلك الرؤية بقدر إرادتهم واجتهادهم وفهمهم، وقد يخطئون ويصيبون.  ومن المؤسف أن الغرب أخذ عن المسلمين المنهج العلمي السنني، ولكنه عزف عن تلقي الرؤية القرآنية التوحيدية، فحقق عمرانًا ماديًا تسلط به عبر العرقية العنصرية على الشعوب الأخرى، ونبذ به الدين، وأقام عليه حضارة الاستعلاء والبغي المادي والثقافي، وخلط الثابت بالمتغير، وحول الثوابت إلى متغيرات وقيود في غيبة المقاصد الكلية للدين المتناغمة مع الفطرة الإنسانية السوية.

والرؤية الكونية الحضارية القرآنية تجمع بين المثالية والواقعية فالعهد النبوي عرف مثالاً واقعيًا لتحقيق تلك الرؤية وفق متطلبات الزمان والمكان. وثالثها هو “برهنة العبرة التاريخية على اختلاف النفوس والمجتمعات البشرية في تحقيق قيم الخير في أرض الواقع”. فلنهضة الأمم أسباب يتحقق بوجودها. ولتدهور الأمم أسباب يحدث بحدوثها. وتلك الأيام يداولها الله بين الناس. ولا جدوى تنتظر من مثالية تفوق قدرة الواقع الإنساني على تمثلها.

وتقوم هذه الرؤية المثالية الواقعية على جملة مبادئ يتصدرها: التوحيد الذي هو الإجابة الكونية الفطرية السوية للبعد الروحي للإنسان في فهم ذاته من المبتدى إلى المنتهى، وأما المبدأ الثاني فهو: الاستخلاف. فلقد سوى الله النفس البشرية. وألهمها فجورها وتقواها. واستخلف الإنسان الحر المكلف في الأرض، وائتمنه على نعم وطيبات لا تعد ولا تعصى وأما المبدأ الثالث، فهو: العدل والاعتدال. وأما المبدأ الرابع فهو: الحرية. فالحرية هي جوهر تكريم الله للإنسان.

وتؤكد هذه الرؤية القرآنية على محورية الشورى في الأمر الخاص والعام. فلا خاب من استشار. ويبين القرآن أن من سمات المؤمنين به: اجتناب كبائر الإثم والفواحش، والعفو عند الغضب، والاستجابة لربهم، وإقام الصلاة، وجعل أمرهم شورى بينهم، وقصارى القول، أن الحرية والشورى معًا شرط لازم لبقاء الحضارات. فالتكلس والجمود الحضاري لا يفترس الأمم إلا من نافذة الاستبداد السياسي والكهنوتي، المنتج للأمة المتكلسة الآفلة.

وطوق النجاة هو السعي إلى إنقاذ الأمة الإسلامية مما أصابها من انحراف وتشوه لإقامة نموذج للمجتمع العالمي الحر القائم على الدخول في السلم كافة والدعوة إلى الله وإلى العمل الصالح، وإلى الصلاح والإصلاح والإعمار بوصفها جميعًا مبادئ وغايات إنسانية فطرية، في كون قام على الجمال الحقيقي لا الموهوم، وأحسن الله تعالى فيه كل شيء خلقه، ولم يجعل فيه من فطور، ونهى عن تحريم زينته التي أخرجها لعباده والطيبات من الرزق، وأمر بالأكل منها مع تجنب الطغيان، وبالصبر الجميل. وتلك هي صبغة الله. ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون.

الواقع الإنساني بمنظور الرؤية الكونية القرآنية:

وبعد أن بين د. عبد الحميد أبو سليمان معالم الرؤية القرآنية الكونية الحضارية والآثار المترتبة على كل من تمثلها ومن الانحراف عنها عبر التاريخ الإنساني على الأرض، والذي بلغ ذروته في الحضارة المادية الغربية المعاصرة المجسدة في جوهرها لشريعة الغاب، رغم جعجعاتها المثالية. قام بدراسة وقراءة الواقع الإنساني بمنظور الرؤية الكونية الحضارية القرآنية، فحضارة العصر هي شريعة غاب تتبتل في محراب النفس الأمارة بالسوء، وتنحرف بمفهومي القومية والمواطنة باتجاه التكاتف العنصري لسياسات القوة ولتعلية قانون (الحق للقوة الجامحة المفترسة اللاأخلاقية). وتلك الحضارة في أمس الحاجة إلى روحانية الفطرة المتمثلة في النفس اللوامة. ولا خلاص للإنسانية من حضارة شبيهة بالنار تأكل نفسها إذا لم تجد ما تأكله غير استعادة الوعي بالرؤية الكلية القرآنية كما يبينها القرآن وكما تجسدت في الأمة المسلمة بالمدينة

ويطرح هذا التصور سؤالاً مركزيًا: كيف نستعيد الوعي بالمفاهيم الإنسانية الاستخلافية في نقائها قبل أن تصاب بالغبش والتكلس؟ ومفتاح الإجابة الصحيحة على هذا السؤال هو: البدء بتجلية ما وراء تلك الرؤية الكلية. فالبدء من غير ذا الجذر التأسيسي الكاشف عن مكنونها هو بمثابة الحرث في البحر. ولاستكشاف ما وراء تلك الرؤية الكونية ومكنونها سبيل واحد هو وزن موروثنا الفكري كله بالقرآن، لتخلية ما أصاب رؤية الأمة الحضارية من تلوث من موروثات غير إسلامية، أدت إلى تراجع أدائها وخواء مؤسساتها.

ومعنى هذا أن مفتاح التعافي هو المراجعة النقدية لتراث الأمة دون خوف من كافة الكوابح الكهنوتية والثقافية والغوغائية. ويسلمنا هذا الخيط إلى التركيز على: تنشئة الطفل على رؤية حضارية كونية قرآنية. وتتكاتف في تلك المهمة جهود صناع الفكر والمعرفة، مع مهمة الوالدين والأسرة والتربويين بوصفهم هم قاطرة بقية قنوات التنشئة القرآنية وناظمها. فهذا هو الحرث في البر لإقالة أمتنا من عثرتها واستعادة دافعيتها الحضارية. ونواة هذا الحرث هي تنقية تراثنا وإصلاح مناهج التعليم والتربية. على هدي كليات الرؤية الكونية القرآنية، وكذلك إعادة بناء العلوم الاجتماعية الإسلامية. وإسلامية المعرفة وإسلامية العلوم الاجتماعية وجهان لعملة واحدة. ومهمة العلوم الاجتماعية أوسع من وظيفة الفقه التراثي الفردي لكونها تركز على البعد الجمعي في كافة المجالات. ويحتاج الباحث المسلم إلى التخلص من داء التقليد والمحاكاة والتسلح برؤية قرآنية كلية، لا تستبعد مطلقًا المنهج العلمي غير المناهض للفطرة وغير المجزئ للإنسان.

ولصياغة تلك الخبرة في معادلات استرشادية للإصلاح، يمكن القول بأن متطلبات المنهاجية الفكرية السليمة تتمثل في الجمع بين الوحي والفطرة والسنن والعقل واعتبارات الزمان والمكان لتكوين المنطق العلمي، وبين تربية الوجدان الإيجابي وإرادة العمران الخيرة. وبجماعهم تتحقق الذات الإنسانية السوية، التي تستطيع تحقيق التغيير الحق بفكرة وتربية وإصلاح مؤسس على رؤية كلية فعالة.

فبناء الدولة الحديثة في الغرب كان على أساس قومي، ومما يؤكد أن هذا الأساس هو بطبيعته مفهوم صراع، قيام حروب عديدة بين دول أوربا منذ أن نشأت نشأتها الحديثة بعد الثورة الصناعية، لأنه في الواقع تعبير عن المفهوم المادي للحياة والعلاقات الحيوانية فالحيوان له صفة السلالة والتمحور حول السلالة في مواجهة الآخرين وعلى أساس من التغالب.

فالفلسفة الدينية الروحية جوهرها العدل والرحمة، والإسلام هو الصورة الكاملة النقية لهذا المفهوم، ونحن نعني بالإسلام من لدن آدم u حتى مبعث خاتم الأنبياء سيدنا محمد r،  ولذلك الغرب حين تخلى عن الدين برغم فساد رؤيته الدينية لأسباب تتعلق بتاريخ  العصور الوسطى ووضع الكنيسة ودخول الخرافات، استطاع أن يحقق نجاحات مادية استفادت منها البشرية ولكنها دائماً كانت نجاحات تقوم على جناح العلم المادي المفارق والمخاصم للوحي، ولذلك دائماً الإسلام يوحد وجدان الإنسان مادياً ومعنوياً والتواصل في علاقاته، لذلك لم تكن رسالة الإسلام إلى قوم أو فئة معينة وإنما إلى الإنسان فهي رسالة عالمية عملية أول ما نزل فيها “اقرأ”، والتوحيد في جوهره يقوم على التكامل والغاية والأخلاقيات. والغرب حين تخلى عن هذه الأخلاقيات التزم الماديات وتخلى عن الروحانيات ومن هنا نشأ تكوين الدولة على أساس قومي. ولا شك أن السلام العالمي مهدد من خلال تلك الفلسفة الغربية للعلاقات الدولية، والإسلام فلسفة دوائر متداخلة، والإسلام يمنع العدوان إلا إذا كان رد عدوان.

وخلاصة رؤية د. عبد الحميد أبو سليمان أن الرؤية الكونية هي البنية الأساسية للإصلاح الإنساني الكوني. وهي رؤية للسلام العالمي للأنا المسلم وللآخر، على أساس يبين الثابت والمتغير بمثالية واقعية تؤسس حضارة إنسانية تقوم على ثلاثة عشر مبدأ قرآنيًا هي التوحيد والاستخلاف والعدل والاعتدال والحرية والمسؤولية والغائية والأخلاقية والشورى والشمولية العلمية السننية والعالمية والسلام والإصلاح والعمران والجمال

بارك الله لـ د. عبد الحميد أبو سليمان في حياته، وفي إنتاجه وأثابه خير الجزاء عـلى ما قدم من ريادة علمية وفكرية لأبناء جيله وللأجيال القادمة بإذن الله، وجعل الله ذلك في ميزان حسناته…اللهم آمين

تعليقات
Loading...