الصراع الأزلي بين قيود الأسرة والحنين للحرية
٠٠:٠٠
٠٠:٠٠
- يرصد المقال جذور النزعة الفردانية واللاإنجابية من المعري إلى بيناتار، وكيف تُسوِّغ سردية الهروب من الزواج والإنجاب بوهم الحرية المطلقة.
- تربط الفلسفة الأخلاقية عند كانط وهيغل وتجربة فرانكل المعنى الوجودي بتحمّل المسؤولية والرعاية الأسرية ونكران الذات.
- تحتفي الرؤية الدينية بميثاق الزواج وتحوّل عبء الرعاية إلى سُلّم للسمو الروحي وخلود رمزي، فيما تهزم لحظات الأبوة وهم الانعتاق الفردي.
برعلا زكريا (باحث في قضايا الأسرة)_الرباط
هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد، عبارة بليغة أوصى أبو العلاء المعري بنقشها على قبره بعد وفاته ليختزل موقفا وجوديا حاسما يرفض توريث مكابدة الوجود لجيل لاحق، حيث اختار الفيلسوف طواعية الترويج لقطع النسل كفعل احتجاجي ضد قسوة الطبيعة ومعاناة البشر. تبنى فلاسفة التشاؤم والعدمية في أوروبا لاحقا نفس المسار لترسيخ رؤية تعتبر الإنجاب جناية في حق الأبرياء، إذ اعتبر إميل سيوران المجيء إلى العالم مجرد سقطة في هوة مأساة حتمية، بينما بنى ديفيد بيناتار نظريته اللاإنجابية على معادلة منطقية صارمة تعتبر غياب الألم خيرا محضا يقابله غياب للمتعة لا يشكل أي ضرر لمن لم يولد أصلا. تتغذى النزعة الفردانية المعاصرة من هذه الجذور الفلسفية لتبرير الهروب المتزايد من مؤسسة الأسرة، فالمدافعون عن هذا الطرح يرون حياة الإنسان ومضة قصيرة لا تحتمل الارتهان لالتزامات طويلة الأمد تسرق الشباب وتستنزف الجهد. يصبح التخلي عن فكرة الزواج وفق هذا السياق انتصارا مبررا للذات وتحررا مشروعا من استعباد بيولوجي يفرض على الفرد التضحية بأحلامه لتربية أطفال قد ينتهي بهم المطاف إلى الجحود، مما يقدم سردية مغرية تدغدغ رغبة الإنسان في الانعتاق والتحليق بعيدا عن قيود المسؤولية الصارمة.
تتصدع هذه السردية الفردانية بمجرد الاصطدام بسؤال المعنى والجدوى من حياة تعاش في عزلة نرجسية مطلقة، ليؤسس المعسكر الفلسفي المضاد لمعمار فكري مختلف يربط القيمة الوجودية للإنسان بحجم المسؤوليات التي يتحملها طواعية بشجاعة. يضع إيمانويل كانط تأسيس العائلة ورعاية النسل في صلب الواجب الأخلاقي الذي يعلو فوق الرغبات اللحظية العابرة، في حين يتجاوز هيغل هذا البعد ليجعل من النواة المجتمعية الأولى فضاء روحيا تتلاشى داخله الأنانية الحيوانية لتبرز الإنسانية في أبهى صورها عبر نكران الذات. يجد المرء حقيقته حين يتنازل عن جزء من حريته المطلقة لصالح كائن آخر يحمل جيناته وامتداده البيولوجي، وهو ما أكده فيكتور فرانكل من داخل عيادته النفسية بتقديمه دليلا عمليا يثبت بحث البشر الدائم عن المعنى عوض الراحة المطلقة. تمثل التضحية بالوقت والجهد لحماية الأسرة مصدرا هائلا للطاقة النفسية التي تقي الأفراد من السقوط في عبثية الوجود وخواء العدم الموحش.
تقدم الفلسفات الدينية عبر التاريخ مقاربات تتأرجح بين الزهد والتقديس لتستقر في النهاية على إعلاء شأن الرابطة الأسرية والاحتفاء بها، حيث تنظر التقاليد العقائدية الكبرى إلى الميثاق الزوجي كعقد روحي يتجاوز الحسابات المادية الجافة والمصالح العابرة. يشكل بناء الأسرة وفق هذا المنظور شكلا من أشكال المجاهدة النفسية والارتقاء الأخلاقي المتواصل، لتكتسب التضحية بالمال والجهد في سبيل تربية الأبناء بعدا يتخطى حدود العمر القصير ويمنح الفرد امتدادا حقيقيا بعد الموت. تتسم هذه الرؤية بواقعية شديدة تعترف بقسوة الإكراهات اليومية وثقل الالتزامات المتعاقبة، لكنها تضع تحملها في خانة السمو الروحي الذي يحرر الإنسان من طغيان غرائزه الأنانية، ليصبح عبء الرعاية نفسه جسرا للعبور نحو الخلود الرمزي وتأمين بقاء النوع البشري وسط عالم محفوف بالزوال.
تتلاشى يقينيات النظريات الفلسفية وتناقضاتها أمام قسوة التجربة الحية حين تبرز رغبة خفية في التحرر من التزامات يومية تصادر الطموحات المؤجلة هربا من ضغوط الحسابات المادية المنهكة. يلوح طيف الانعزال غالبا في لحظات التعب الصامت ليطرح سؤالا ملحا حول جدوى الهروب نحو فردانية تعد براحة البال وتعفي من ثقل المسؤولية، غير أن هذه الهواجس العدمية تتبخر سريعا بمجرد التقاء النظرات بوجوه أبناء يجسدون الامتداد الحقيقي للروح والجسد. ينهار معمار التشاؤم المفتعل بالكامل أمام لحظة مشاركة عابرة في جولة شطرنج أو منافسة محتدمة في لعبة إلكترونية، ليتحول الاستسلام الطوعي لنداء الأبوة حينها إلى ملاذ دافئ يفوق بريقه كل مساعي التحرر الفردي. يستمر العيش هكذا داخل منزلة معلقة تتأرجح بين حرية مفترضة تسكن الخيال وقيود ناعمة تلتف حول القلب لتمنح الوجود ثقله ومبرر استمراره حتى الرمق الأخير.
تنويه مهم
المقالات المنشورة في باب الرأي تعبِّر عن وجهة نظر كاتبها فقط،
ولا تُمثِّل بالضرورة الموقف الرسمي لموقع «إندونيسيا اليوم».
| العربية | الإندونيسية | الإنجليزية |
|---|---|---|
| الأسرة والحرية والمعنى الوجودي | ||
| الأسرة | Keluarga | Family |
| الحرية الفردية | Kebebasan individu | Individual freedom |
| الفردانية | Individualisme | Individualism |
| اللاإنجابية | Antinatalisme | Antinatalism |
| الواجب الأخلاقي | Kewajiban moral | Moral duty |
| الميثاق الزوجي | Perjanjian pernikahan | Marital covenant |
| نكران الذات | Altruisme | Selflessness |
| التضحية | Pengorbanan | Sacrifice |
| يَتَحَمَّلُ المسؤولية | Memikul tanggung jawab | Bear responsibility |
| يَبْحَثُ عن المعنى | Mencari makna | Seek meaning |
| يُرَبِّي الأبناء | Membesarkan anak | Raise children |
| يَبْنِي أسرةً | Membangun keluarga | Build a family |
| يُوازِن بين الحرية والالتزام | Menyeimbangkan kebebasan dan komitmen | Balance freedom and commitment |
| يَنْتَقِدُ اللاإنجابية | Mengkritik antinatalisme | Criticize antinatalism |
| المعنى الوجودي | Makna eksistensial | Existential meaning |
