بعد رمضان: هل من التقوى ما ثبت؟
٠٠:٠٠
٠٠:٠٠
- يتناول المقال الأثر الروحاني العميق الذي يتركه رمضان في النفوس، مؤكداً أن رحيله يمثل بداية مرحلة “الاختبار الحقيقي” لمدى تحقق صفة التقوى في سلوك المؤمن اليومي.
- يسلط الضوء على أهمية المداومة على الطاعات بعد رمضان، مثل صيام الست من شوال والنوافل، معتبراً إياها “امتدادات لمدرسة الصيام” التي تبقي قلب المؤمن متصلاً بخالقه.
- يشدد الكاتب على أن جوهر التقوى يتجلى في كظم الغيظ والعفو عن الناس والإنفاق المستمر، محذراً من العودة إلى الغفلة بعد انقضاء الشهر المبارك.
بقلم: د. نصر الدين إدريس جوهر
ها هو رمضان يطوي صفحاته الأخيرة، ويرحل عنا كما يرحل الضيف الكريم، تاركًا في القلوب أثرًا روحانيا لا يقال ولا يُمحى. عندما غربت آخر شمسه وتناول الصائمون آخر إفطارهم انقضت أيام عظيمة تتضاعف فيها أجور الحسنات والطاعات، وتُفتح فيها أبواب الجنة، وتُغلق أبواب النار، وتُصفَّد الشياطين. فيها كان حلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وله دعوة لا ترد عند فطره. شهر يغفر لمن صام نهاره وقام ليله ما تقدم من ذنبه. وهو شهر فيه ليلةٌ كانت العبادة فيها خيرٌ من ألف شهر. فكيف لا يكون رحيله مؤلمًا وهو شهر فيه ما فيه من هذه الفضائل؟
يحزن المؤمن الصادق الذي شرفهم الله بنداء الصيام واستجاب له على فراق رمضان حزنًا عميقًا، لا لأنه شهر عابر كشأن بقية الأشهر، بل لأنه موسمٌ استثنائي تتجلى فيه معاني القرب من الله. فيه وحرص على الطاعة، لذة القيام، وحلاوة التلاوة، وسكينة الذكر، وأنس الدعاء. فيه شعر بأن الطريق إلى الله أقرب، وأن أبواب السماء مفتوحة على مصاريعها. فلما انقضى، خشي أن يفتر عزمه، وأن تخبو تلك الروح الإيمانية التي أشرقت في قلبه طوال أيامه ولياليه.
غير أن في رحيل رمضان وجهًا آخر من البشارة؛ إذ إن انقضاءه ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة أخرى لا تقل أهمية ألا وهي مرحلة المتابعة والاختبار الحقيقي. فها هي أشهر التثبيت قد أقبلت، لقياس تحقق ما علمه من تقوى، تلك الغاية التي لأجلها شُرع الصيام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. والتقوى ليست مقصورة على زمانٍ دون زمان، ولا مكان دون مكان، ولا وضع دون وضع، بل هي وصية الله للأولين والآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾. وهي حالة دائمة يعيشها المؤمن حيثما كان، في كل حين، في السر والعلن، في الشدة والرخاء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحسنةَ تَمْحُهَا، وخَالقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ.”
وبما أن التقوى التي هي غاية تشريع صيام رمضان غير مقيدة بمكان وزمان فالسعي للترقي إليها ورفع منسوبها في القلوب لا ينبغي أن ينحصر على أيام رمضان ولياله فقط وإنما لا بد أن يستمر ويمتد في الأشهر بعده ليكون حالة يعيشها المؤمن طول حياته. ومما يثبت هذه التقوى بعد رمضان مواصلة الصيام. وأول ذلك صيام ستة أيام من شوال، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر». وصيام شوال فيه تحدى كبير على مواصلة ما تدرب عليه المؤمن في رمضان إذ إنه يصوم تطوعا في الوقت الذي يعود الناس إلى عادة الأكل والشرب فتثقل كثيرها على الصيام. ثم تأتي سائر النوافل: كصيام الاثنين والخميس، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تُعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس فأحب أن يُعرض عملي وأنا صائم». وصيام الأيام البيض من كل شهر، وصيام يوم عرفة الذي «يكفّر السنة الماضية والباقية»، وصيام عاشوراء الذي «يكفّر السنة الماضية». إنها امتدادات لمدرسة رمضان، تُبقي جذوة الإيمان مشتعلة في قلب المؤمن فظل يسير على طريق التقوى.
ومما يواصل به المؤمن ما تدرب عليه في رمضان ليثبت تقواه تقدير الليل والنهار وإحسان استغلالهما لطاعة الله والتقرب إليه. وقد علّم رمضان كيف التوازن بين عبادة النهار وعبادة الليل؛ فصيام النهار مدرسة للصبر، وقيام الليل منبع للصفاء. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه». وهذه الثنائية إشارة واضحة إلى أن عبادة الله تدور على مدار الساعة لا تتوقف ليلا ونهارا وهي ليست حكرًا على رمضان، بل هي منهج حياة؛ فالمؤمن يعمّر نهاره بالطاعة، ويُحيي ليله بالقرب من الله، ليبقى قلبه موصولًا بخالقه في كل الأوقات.
ومن دروس التقوى التي رسخها رمضان والتي لا بد من مواصلته في الأشهر بعده خُلُقُ الإنفاق في السراء والضراء. فقد وصف الله المتقين الذين يتمنى كل صائم أن يكون منهم بقوله: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾. لقد أحث الدين في رمضان على كثرة الإنفاق ووعد الصائمين المنفقين بأجور مضاعفة وذلك ليس ليكون الكرم في رمضان مجرد حالة موسمية، بل تدريبٌ على البذل المستمر، سواء في حال الغنى أو الضيق. فحاجة الفقير لا تنتهي بانتهاء الشهر، كما أن حاجة المؤمن لتثبيت تقواه لا تنتهي بانقضائه، فإن مواساة المحتاجين وتلبية احتياجاتهم خلقٌ دائم لا يرتبط بزمان.
ومما يتابع به المؤمن ما درب عليه رمضان كظم الغيظ والعفو عن الناس. فقد وصف الله المتقين الذين يتمنى كل صائم أن يكون من جملتهم بقوله: ﴿الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾. وعلم النبي الصائمين عمليا كبح جماح النفس والسيطرة على الغضب بقوله” الصِّيَامُ جُنَّةٌ إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ، وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ، أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ”. هذه رسالة قوية بأن كظم الغيظ عند مواجهة إيذاء من يؤذي ليس ضعفا بل قوة إيمانية تقود المؤمن إلى معاملة الناس كما يوجهه الرحمن وليس كما تأمره النفس. كذلك العف عن الناس فقد قرن الله في الآية بين كظم الغيظ والعف وفي ذلك حكمة بالغة في إرشاد المؤمن عند وقوعه أمام إيذاء من يؤذي حيث أنه قد يكظم غيظه ولكن لا بعفو عنه في قلبه. والمتقي هو الذي يسيطر على نفسه ويكظم غيظه ويعفو عمن يؤذيه أو يظلمه.
ومما يزيد ضرورة التخلق بهذين الخلقين الكريمين أن المؤمن يتعايش في حياته مع الناس الذين من طبيعتهم محل الخطأ والنسيان. فلا مفر له في احتكاكه الاجتماعي من معاملة سيئة قد تجرح مشاعره بل تؤذيه جسديا. لذلك فإن كظم الغيظ والعفو ليسا خيارين ثانويين بل ضرورة حياتية. وليس العفو موسمًا مرتبطًا بالعيد فحسب، بل هو منهج دائم، لأن صفاء العلاقات وسلامتها لا يتحقق إلا به. ومن حافظ على هذا الخلق فقد حافظ على روح التقوى التي غرسها رمضان في قلبه.
وهنا ينبغي أن يقف كل من ودع رمضان مع نفسه مسائلا: هل كانت طاعته في رمضان حالة عابرة، أم بداية تحول دائم؟ إن الخطر كل الخطر أن يكون ممن يعرفون الله في رمضان وأحسن عبادته وكثف طاعته، فإذا انقضى الشهر عادوا إلى الغفلة. إن روح رمضان ليست أيامًا معدودة، بل زادٌ يمتد أحد عشر شهرًا، يُجدّد به إيمانه، ويُحيي به قلبه، حتى إذا أقبل رمضان القادم، وجد نفسه في مرتبة أعلى من القرب والثبات.
تنويه مهمالمقالات المنشورة في باب الرأي تعبِّر عن وجهة نظر كاتبها فقط،
ولا تُمثِّل بالضرورة الموقف الرسمي لموقع «إندونيسيا اليوم».
| العربية | الإندونيسية | الإنجليزية |
|---|---|---|
| مصطلحات الثبات والأخلاق الإيمانية | ||
| التقوى | Ketakwaan | Piety (Taqwa) |
| الثبات | Keteguhan / Konsistensi | Steadfastness |
| النوافل | Amalan sunnah / Tambahan | Voluntary deeds |
| كظم الغيظ | Menahan amarah | Restraining anger |
| العفو | Memaafkan | Pardoning / Forgiveness |
| منهج حياة | Pedoman hidup | Way of life |
| الإنفاق | Berinfak / Derma | Charity / Spending |
| الفتور | Penurunan semangat إيماني | Spiritual languor |
| الغفلة | Kelalaian | Heedlessness |
| يُصَفَّد (فعل) | Dibelenggu | To be shackled |
| يَتَجَلَّى (فعل) | Bermanifestasi / Tampak | To manifest |
| يَكْبَحُ (فعل) | Mengekang / Meredam | To curb / restrain |
| يَنْقَضِي (فعل) | Berlalu / Berakhir | To pass / conclude |
| السراء والضراء | Suka dan duka | Prosperity and adversity |
| التراحم | Saling berkasih sayang | Mutual compassion |
