indonesiaalyoum.com
إندونيسيا اليوم

البروفيسورة مريم آيت أحمد تبني تحالفًا حضاريًّا مع إندونيسيا بعيد الفطر

0 91
ملخص سريع
  • تتبنى البروفيسورة مريم آيت أحمد منذ ١٣ سنة مبادرة فردية لتأطير الطلبة الإندونيسيين والماليزيين في المغرب، موفرة لهم بيئة أسرية وأكاديمية تتجاوز جمود الملحقيات الرسمية.
  • يرتكز المشروع على تصدير النموذج الديني المغربي المعتدل لجنوب شرق آسيا كحصن منيع ضد تيارات التطرف، ومزاحمة القوى الإقليمية بالاعتماد على رصانة الطرح العلمي.
  • يمثل الخريجون الآسيويون «سفراء فعليين» للمغرب في بلدانهم، يدافعون عن قضاياه الاستراتيجية ويسهلون التبادل الاقتصادي، مما يستدعي مأسسة هذه الجهود لضمان استدامتها.

برعلا زكريا

تجاوزت المسافات الجغرافية الفاصلة بين الأرخبيل الآسيوي والمملكة المغربية لتتلاشى كليا داخل فيلا البروفيسورة مريم آيت أحمد بمدينة القنيطرة تزامنا مع احتفالات عيد الفطر. توافد العشرات من الطلبة الإندونيسيين والماليزيين من مختلف المدن الجامعية كالرباط وفاس ومكناس لتخليد هذا الموعد السنوي الثابت منذ ثلاث عشرة سنة. يقدم هذا الفضاء الخاص للمغتربين الآسيويين حضنا عائليا حقيقيا يعوض دفء الأوطان ويخفف قسوة البعد عن العائلات المستقرة في جاكرتا أو كوالالمبور. يمثل هذا التجمع الميداني المتكرر محطة محورية في حياة الطالب الوافد لترسيخ اندماجه السلس داخل النسيج المجتمعي المغربي بعيدا عن الجمود الإداري. تعجز الملحقيات الثقافية الرسمية غالبا عن خلق هذا النوع من التواصل الإنساني المباشر الذي يكسر حواجز الغربة ويوفر الطمأنينة للمبتدئين.

يتابع هؤلاء الشباب الآسيويون مساراتهم العلمية حصريا ضمن تخصصات الدراسات الإسلامية الدقيقة بمسالك التعليم العتيق والمدرجات الجامعية المتخصصة. تتطلب طبيعة هذه التخصصات المرجعية تأطيرا منهجيا يتجاوز التلقين الأكاديمي الصرف ليشمل توفير بيئة حاضنة تضمن الاستقرار النفسي والاجتماعي طيلة مسار التكوين. تعوض المبادرة الفردية للأستاذة المشرفة غياب برامج المواكبة المؤسساتية من طرف الجامعات وتمنح الباحث الإندونيسي مساحة آمنة لتطوير قدراته المعرفية براحة تامة. ينعكس هذا الدعم المباشر فورا على جودة المخرجات العلمية ويرفع من معدلات التحصيل الأكاديمي لدى الطلبة الذين اختاروا المغرب وجهة لطلب العلم. يحتاج الوافد الجديد لتوجيه دقيق لفهم خصوصيات الثقافة المغربية وتفكيك شفراتها المجتمعية لضمان اندماج سليم يحميه من الانعزال داخل تجمعات مغلقة.

تبلور داخل هذا اللقاء الاحتفالي مشهد ثقافي بهيج يعكس مستوى التفاعل الإيجابي بين الهوية الآسيوية والبيئة المغربية المضيفة. بادر الحاضرون إلى أداء النشيد الوطني المغربي بإتقان لافت ومخارج حروف سليمة قبل الانتقال مباشرة نحو ترديد الأناشيد الرسمية لبلدانهم الأصلية بكل فخر. ساهمت هذه اللوحة الفنية التعبيرية في توحيد الوجدان لتختتم الفعاليات بفقرات إنشادية تنهل من الموروث الروحي والديني المشترك بين البلدين الإسلاميين. تكرس هذه الممارسات العفوية تقاربا وجدانيا متينا يحول الفضاء الخاص إلى مختبر تطبيقي حي لحوار الحضارات والتواصل الفعال وتلاقح الأفكار. تعكس هذه الأجواء الاحتفالية قدرة الطالب الإندونيسي على استيعاب المكون الثقافي المغربي ومزجه بمرجعيته الآسيوية لإنتاج هوية مركبة ومنفتحة.

وجهت البروفيسورة مريم آيت أحمد خلال هذا التجمع كلمة توجيهية شاملة رسمت من خلالها معالم المشروع الفكري المشترك مع النخب الآسيوية. شددت المتحدثة على طابع الاستمرارية الذي يطبع هذا الموعد السنوي لتقييم حصيلة التعاون وتطوير الآليات الأكاديمية المعتمدة في التأطير والتوجيه العلمي. حثت المسؤولة الحاضرين بوضوح تام على تحمل مسؤولياتهم التاريخية فور عودتهم إلى قراهم ومدنهم بموطنهم الأصلي للقيام بدور السفراء الفعليين للمغرب. يشكل هذا التكليف المباشر امتدادا عمليا لمشروع التحالف الحضاري ويترجم تحولا جذريا في وظيفة الأستاذ الجامعي نحو صناعة القيادات المجتمعية الفاعلة. تستهدف هذه الرؤية الاستراتيجية تكوين نخبة أكاديمية إندونيسية قادرة على التأثير في صناعة القرار الديني والسياسي داخل بلدانها الأصلية بناء على أسس متينة.

مزاحمة كبريات المؤسسات وحماية الهوية الآسيوية

تكتسي هذه الدينامية الأكاديمية أهمية جيواستراتيجية بالغة بالنظر إلى حجم التنافس الإقليمي والدولي الشرس حول استقطاب العقول بمنطقة جنوب شرق آسيا. تعتبر إندونيسيا أكبر دولة مسلمة في العالم من حيث التعداد السكاني وترافقها ماليزيا كقوة اقتصادية صاعدة مما يجعلهما مجالا حيويا لصراع النفوذ. تتنقل الأستاذة المشرفة بشكل متكرر ومكثف نحو كبريات الجامعات في هذين البلدين لبناء جسور التواصل المباشر مع المؤسسات العلمية المحلية الرائدة. تنجح هذه التحركات الفردية في مزاحمة مؤسسات دينية عريقة كالأزهر وتتجاوز النفوذ المدعوم بالإمكانيات المادية الهائلة لكل من السعودية والإمارات. يثبت هذا الحضور الميداني قدرة الكفاءة المغربية على فرض احترامها الأكاديمي والفكري بالاعتماد على رصانة الطرح العلمي بعيدا عن دبلوماسية الشيكات.

يعتمد الاختراق المغربي اللافت للساحة الإندونيسية على تسويق النموذج الديني المعتدل وربطه بمسارات البحث الأكاديمي الرصين لمعالجة القضايا المعاصرة المعقدة. تقدم أطاريح الدكتوراه المنجزة تحت إشرافها بمختبر علوم الأديان بجامعة ابن طفيل إجابات علمية دقيقة لاحتياجات المجتمعات الآسيوية وفق المقاربة المقاصدية الشاملة. تتقاطع هذه المخرجات الأكاديمية مع الأنشطة الميدانية المبرمجة لتحصين الوافدين وتوسيع مداركهم الفقهية والمنهجية لمواجهة التحديات الفكرية المتنامية ببلدانهم. يجد الطلبة في هذا الطرح الفكري حصنا منيعا ضد تيارات التطرف المذهبي التي تحاول التغلغل عبر منح دراسية سخية وتوجهات إيديولوجية ضيقة. يوفر المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية أرضية صلبة لتدبير التنوع العرقي والديني الذي يميز الأرخبيل الإندونيسي المترامي الأطراف.

- Advertisement -

تتخذ هذه المجهودات طابعا مؤسساتيا متكاملا يتجاوز حدود الفضاء العائلي الخاص ليتجسد أساسا في الإشعاع الميداني المتنامي لمركز إنماء. يضطلع هذا الفضاء الذي تديره البروفيسورة بكفاءة عالية بأدوار محورية في تأطير المبادرات الإنسانية والعلمية الموجهة للباحثين الآسيويين بانتظام وتخطيط مسبق. يشكل المركز منصة عملية نشطة لتبادل الخبرات وتطوير المهارات القيادية لدى الباحثين وفق خطط استراتيجية مدروسة بعناية تواكب التطورات الجيوسياسية. يتكفل الإطار نفسه بسد الفراغ المهول الذي تتركه الجهات الرسمية في مجال التتبع البعدي للخريجين ومواكبة مساراتهم المهنية والسياسية بعد المغادرة. تضمن هذه المواكبة المستمرة بقاء الخريج ضمن دائرة التأثير الإيجابي المغربي وتحميه من الاستقطابات المضادة التي تنشط بقوة في الساحة الآسيوية.

الرهان الاستراتيجي وتحديات الاستدامة

يحمل الطلبة الخريجون معهم زادا معرفيا وروحيا يطبع مساراتهم بمجرد عودتهم إلى العاصمة جاكرتا أو كوالالمبور ومختلف الجزر المجاورة. يتحول هؤلاء الشباب فورا إلى مدافعين شرسين عن القضايا الاستراتيجية والوطنية للمملكة وفاعلين أساسيين في تيسير قنوات التبادل الاقتصادي والثقافي الشامل. تثبت الممارسة الميدانية المتراكمة جدارة هذا الاستثمار البشري طويل الأمد وتفوقه الساحق مقارنة بالحملات الدبلوماسية الموسمية المكلفة والضعيفة الأثر بشكل جلي. يتصدى هؤلاء الخريجون لمختلف الحملات التي تستهدف المصالح العليا للمغرب داخل المحافل الآسيوية بفضل التكوين السياسي والتاريخي الموازي الذي تلقوه. يمثل هؤلاء السفراء الجدد ورقة رابحة لتعزيز الموقف التفاوضي للمملكة في تكتلات جنوب شرق آسيا الاقتصادية والسياسية الصاعدة.

يشكل البعد الجغرافي الشاسع تحديا كبيرا ومعيقا موضوعيا في إدارة العلاقات الدولية المعاصرة بين القارتين الإفريقية والآسيوية وتطوير المبادلات البينية. تنجح المقاربة الشاملة التي تتبناها البروفيسورة مريم آيت أحمد في تقليص هذه المسافات الجغرافية عبر التركيز الفعال على المشترك الحضاري والروحي. يتيح التفاعل المستمر بين المكونات الأكاديمية تجاوز الصور النمطية السلبية المتبادلة وبناء شبكة علاقات غير رسمية تتميز بالمرونة العالية والفعالية الميدانية. تصبح هذه الشبكات الجامعية أداة استشرافية دقيقة ترصد التحولات المجتمعية في إندونيسيا بعيدا عن التقارير الجاهزة والنمطية التي تفتقر للنبض الميداني. تساهم هذه الروابط المتينة في فتح أسواق جديدة للمنتجات المغربية وتسهيل تدفق الاستثمارات المتبادلة بفضل وجود وسطاء موثوقين من خريجي الجامعات.

توفر هذه الآلية المبتكرة لصناع القرار في المغرب قواعد بيانات حية وموثوقة تخدم المصالح الدبلوماسية والتجارية على حد سواء بفعالية. تمنح المعطيات الدقيقة المجمعة عبر القنوات الأكاديمية الأفضلية للدبلوماسية المغربية للتحرك بشكل استباقي وفعال في الساحة الآسيوية المليئة بالمتغيرات السريعة. يرسخ هذا العمل المؤسساتي قواعد دبلوماسية موازية تعتمد على استدامة التواصل واستثمار الكفاءات المتخرجة في مشاريع مشتركة تعود بالنفع على البلدين. تبرز الحاجة الماسة لتعميم هذا النموذج الفريد على مختلف الجامعات الوطنية لتعظيم الاستفادة من تواجد الطلبة الأجانب وتحويلهم إلى شركاء استراتيجيين موثوقين. يستدعي هذا التحول تبني سياسة عمومية واضحة المعالم تدعم البحث العلمي الموجه لخدمة الدبلوماسية وتوفر له الموارد الضرورية للنجاح.

تواجه هذه المكتسبات الميدانية الاستراتيجية المحققة في عمق القارة الآسيوية تحدي الاستدامة لارتهانها حصرا بالمبادرات الفردية والتمويل الذاتي للفاعل الأكاديمي. تتسع الهوة يوما بعد يوم بين حيوية هذه الدبلوماسية الجامعية الناجعة وبين جمود القطاعات الحكومية الوصية الغائبة تماما عن توفير الدعم والمواكبة. يتحتم استثمار هذا الرصيد البشري الهائل المتراكم داخل المدرجات الجامعية عبر تجاوز المقاربات الكلاسيكية المتكلسة لوزارة الخارجية وقطاع التعليم العالي بشكل مستعجل. تفرض التحديات الإقليمية الراهنة توفير الغطاء المالي واللوجستي لضمان استمرارية الأوراش المشتركة قبل التفريط المأساوي في هذه النخب لصالح القوى الإقليمية المتربصة. يظل الإبقاء على هذه المبادرات الحيوية رهينة المجهود الفردي خطيئة استراتيجية تتحمل تبعاتها الأجهزة الرسمية المكلفة بتدبير الشأن الدبلوماسي والثقافي للبلاد.


تنويه مهم

المقالات المنشورة في باب الرأي تعبِّر عن وجهة نظر كاتبها فقط،
ولا تُمثِّل بالضرورة الموقف الرسمي لموقع «إندونيسيا اليوم».
قاموس إندونيسيا اليوم
العربية الإندونيسية الإنجليزية
مصطلحات القوة الناعمة والتعاون الثقافي
الدبلوماسية الأكاديمية Diplomasi akademik Academic Diplomacy
التحالف الحضاري Aliansi peradaban Cultural Alliance
القوة الناعمة Kekuatan lunak Soft Power
الاندماج المجتمعي Integrasi sosial Social Integration
النموذج الديني المعتدل Model keagamaan moderat Moderate Religious Model
المواكبة المؤسساتية Pendampingan institusional Institutional Support
الإشعاع الميداني Pengaruh lapangan Field Outreach
صناعة القيادات Penciptaan pemimpin Leadership Building
حوار الحضارات Dialog peradaban Intercultural Dialogue
الموروث الروحي Warisan spiritual Spiritual Heritage
يؤسس / يبني (فعل) Membangun / Mendirikan To establish / build
يجسد / يعكس (فعل) Mewujudkan / Mencerminkan To embody / reflect
يزاحم / ينافس (فعل) Bersaing / Menyaingi To compete / rival
يعزز الأواصر (فعل) Mempererat ikatan To strengthen ties
يستقطب العقول (فعل) Menarik bakat / pikiran To attract talent
تابع الأخبار والمقالات الأخرى على قناة واتساب
احصل على آخر الأخبار والمحتويات فور نشرها
انضم إلى قناتنا على واتساب أيقونة واتساب
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.