indonesiaalyoum.com
إندونيسيا اليوم

الإسلام الذي جاء على سفينة كيف حمل التجار دينًا ولم يحملوا جيشًا؟

سلسلة: إندونيسيا بعيون عربية المقال الخامس

0 33
ملخص سريع
  • يسلط المقال الضوء على الدور المحوري الذي لعبه التجار المسلمون الوافدون إلى موانئ إندونيسيا في نشر الإسلام من خلال المعاملات اليومية، والمصاهرة، والاندماج السلمي في المجتمعات المحلية.
  • يوضح النص أن تحول إندونيسيا إلى أكبر دولة إسلامية لم يكن نتاجًا لعامل منفرد، بل هو ثمرة تضافر جهود ممتدة من التفاعل التجاري، وتأسيس الأسر، وجهود الدعاة والعلماء المحليين.
  • يتناول المقال الفارق الجوهري بين مسار انتشار الإسلام في إندونيسيا القائم على الاندماج عبر الموانئ والأسواق، ومسار الفتوحات العسكرية المألوف في التاريخ العربي.

د. نضال كمال سليم ابو عجوه

كان على التاجر أن ينتظر الريح.

قد تبدو هذه تفصيلة صغيرة لا تستحق مكانًا في كتب التاريخ، لكنها كانت، على الأرجح، واحدة من التفاصيل التي غيّرت وجه الأرخبيل.

فالسفن يومئذ لم تكن تغادر الميناء متى شاء أصحابها. كانت الرياح الموسمية صاحبة الكلمة؛ تهب في اتجاه أشهرًا، ثم تنقلب في موسم آخر لتعيد السفن إلى حيث جاءت.

ولهذا كان التاجر الذي يصل إلى سواحل سومطرا أو جاوا قد يضطر إلى البقاء أسابيع، بل شهورًا، قبل أن تسمح له الريح بالعودة.

وفي بضعة أشهر يحدث للإنسان ما لا يحدث في زيارة عابرة.

يعرف الناس، ويعرفونه.

يتعلم شيئًا من لسانهم، ويأكل من طعامهم، ويجلس في أسواقهم، ويختلف معهم في السعر ـ ويبدو أن المساومة من الأشياء القليلة التي صمدت أمام كل تحولات التاريخ ـ ثم يعود في الموسم التالي فيجد الوجوه نفسها.

وهنا تبدأ الحكاية.

فالطريق الذي حمل التوابل والحرير والبضائع، حمل معه شيئًا لم يكن موضوعًا في صناديق السفينة:

الإسلام

تحدثنا في المقال السابق عن السؤال الذي ما زال يشغل المؤرخين: من أين جاء الإسلام إلى الأرخبيل، ومتى بدأت قصته هنا؟

ولا حاجة أن نعيد ذلك الخلاف.

يكفينا الآن أن نعرف أن البحر بين بلاد العرب والهند وجنوب شرق آسيا والصين كان طريقًا معروفًا قبل الإسلام بزمن طويل.

كان البحر هنا طريقًا، والساحل سوقًا، والميناء نافذة مفتوحة على العالم.

فلما ظهر الإسلام لم يحتج أن يشق طريقًا جديدًا.

سلك الطريق القديم نفسه

صار بعض الرجال الذين يعبرون هذه المياه مسلمين، فحملوا معهم صلاتهم وعاداتهم وإيمانهم إلى جانب بضائعهم.

السفن هي السفن.

والموانئ هي الموانئ.

لكن الرجال الذين نزلوا منها لم يعودوا كما كانوا من قبل.

السوق قبل المسجد

من المرجح أن العلاقة الأولى بين كثير من هؤلاء المسلمين وسكان الموانئ لم تبدأ بمناظرة دينية ولا بمجلس وعظ.

بدأت بما تبدأ به علاقة التاجر بالناس:

بيع وشراء.

كان السوق في المدينة القديمة أكثر من مكان تتبادل فيه النقود والبضائع. فيه تنتقل الأخبار، وتختلط اللغات، ويتعرف الغريب إلى أهل المكان.

والتجارة في جوهرها تقوم على شيء لا تستطيع السفينة أن تحمله في صندوق:

الثقة

فالرجل الذي يعود عامًا بعد عام، ويفي بموعده، ويحفظ اتفاقه، ويعرفه الناس بسمعة حسنة، لا يبقى طويلًا مجرد أجنبي نزل من البحر.

يصير وجهًا مألوفًا.

ثم ربما صديقًا.

ومن الطبيعي، بعد ذلك، أن يسأل الناس عن هذا الرجل: ماذا يعبد؟ ولماذا يصلي بهذه الطريقة؟ ولماذا يصوم؟ ومن أين جاء بهذا الدين؟

وهكذا يرى الناس الدين في إنسان قبل أن يقرؤوه في كتاب.

ولا أريد أن أصنع هنا حكاية مثالية.

لم يكن كل تاجر مسلم وليًا صالحًا، ولم يدخل أهل إندونيسيا الإسلام لأن كل مسلم قابلهم كان نموذجًا كاملًا في الأمانة.

التاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك.

لكن العلاقات الطويلة بين الناس تصنع أحيانًا ما لا تصنعه الخطب.

حين دخل التاجر البيت

ثم جاءت خطوة أبعد أثرًا من السوق.

المصاهرة

بعض التجار أقام طويلًا، وبعضهم استقر، وقد تنتهي الإقامة بزواج من أهل البلاد.

وعندها يتغير كل شيء.

فالرجل الذي كان بالأمس غريبًا جاء من وراء البحر، أصبح صهرًا لعائلة محلية.

ودخل بيتًا من بيوت هذه الأرض.

ثم جاء جيل جديد يجمع بين أب وافد وأم من أهل البلد.

لغته لغة الناس.

وطعامه طعامهم.

وأقرباؤه منهم.

وهنا لم يعد الإسلام بالنسبة إلى هذا الجيل دين رجل أجنبي ينزل من سفينة.

أصبح دين البيت.

وهذه من اللحظات المهمة في قصة انتشار الإسلام في الأرخبيل:

أن ينتقل من دين الوافد إلى دين الابن الذي أمه من أهل البلد

وقد لا تحفظ كتب التاريخ أسماء تلك الأسر.

فكتب التاريخ تحب الملوك والحروب والقصور، ولا تجد دائمًا متسعًا لبيت صغير في ميناء بعيد.

لكن التحولات الكبرى لا تبدأ كلها في القصور.

بعضها يبدأ في البيوت.

ومع الوقت ظهرت جماعات مسلمة في عدد من المدن الساحلية.

تجار يقيمون.

وأسر تتشكل.

ومسافرون يطيلون البقاء.

ثم مكان للصلاة، ومن يعلم الأبناء شيئًا من القرآن والدين.

شيئًا فشيئًا لم يعد المسلم في الميناء غريبًا ينتظر موعد السفينة.

أصبح واحدًا من أهل المدينة.

وهذه اللحظة، في رأيي، أهم بكثير من السؤال عن أصل أول تاجر وصل.

لأن الدين لا يصير جزءًا من بلد حين يصل إليه أول رجل، بل حين يستطيع أن يعيش فيه بعد رحيل ذلك الرجل.

لم يكونوا عربًا وحدهم

وهنا ينبغي أن نصحح صورة قد تتكون بسهولة لدى القارئ العربي.

لم تكن هذه الشبكات البحرية عربية خالصة.

تحرك فيها عرب وفرس وهنود مسلمون، وفي مراحل لاحقة كان لمسلمين من الصين ومناطق أخرى من آسيا حضور كذلك.

كان المحيط الهندي عالمًا واسعًا أكثر اختلاطًا مما نتصور اليوم.

والسفينة التي ترسو في ميناء قد تحمل رجلًا من بلاد العرب إلى جوار تاجر من الهند، ثم تلتقي في المرفأ بسفن قادمة من الصين.

اختلفت اللغات والأصول، وكان الإسلام أحد الروابط الجديدة التي جمعت بين بعض هؤلاء.

وهذا يفسر شيئًا من صعوبة الإجابة عن السؤال الذي طرحناه في المقال الماضي:

من جاء بالإسلام إلى إندونيسيا؟

ربما كان السؤال نفسه يبحث عن رجل واحد في قصة صنعها آلاف الرجال.

حين صار ابن البلد هو الذي يحمل الدين

لكن أهم تحول جاء بعد ذلك.

الإسلام لم يبق في يد الوافدين.

فلو ظل دين جماعات تجارية تعيش قرب الموانئ، لما تحول الأرخبيل بعد قرون إلى أكبر موطن للمسلمين في العالم.

التحول الحقيقي وقع حين صار الإندونيسي المسلم نفسه حاملًا للدين.

صار ابن البلد معلمًا لابن بلده.

ثم ظهر العلماء والدعاة.

وتحرك الإسلام من بعض المدن الساحلية إلى مجتمعات أخرى.

وأصبح الدين يتحدث بلغات الناس، ويدخل في عاداتهم وطرائق تعليمهم وحياتهم اليومية.

والوافد يستطيع أن يفتح بابًا.

لكن الذي يعرف البيت حقًا هو صاحبه.

لهذا لا أحب الرواية التي تجعل أهل إندونيسيا مجرد متلقين ينتظرون رجالًا من وراء البحر ليغيروا حياتهم.

الإندونيسيون أنفسهم أصبحوا جزءًا من قصة انتشار الإسلام، وربما كانوا بعد المراحل الأولى أهم أبطالها.

ثم دخل عامل آخر إلى الحكاية:

الحاكم

وكان لإسلام بعض الحكام والنخب أثر بالغ؛ فحين يدخل الدين إلى البلاط، لا يعود مجرد اعتقاد لجماعة من التجار في الميناء.

تفتح أمامه المؤسسات، ويتسع حضوره في المجتمع، وتظهر المدارس والعلماء والقضاة، ثم تنشأ ممالك وسلطنات تحمل هوية إسلامية.

وفي بعض الممالك تبع تحول النخبة الحاكمة اتساع الإسلام بين السكان.

لكن الأمر لم يكن زرًا يضغطه السلطان فيستيقظ الناس في اليوم التالي مسلمين.

كل منطقة كانت لها قصتها.

وكل جزيرة كان لها إيقاعها.

ولهذا استغرقت عملية انتشار الإسلام زمنًا طويلًا.

الدين والدنيا

ومن الجمل التي تتكرر كثيرًا عند الحديث عن الإسلام في إندونيسيا:

«دخل الإسلام بأخلاق التجار.»

وفيها شيء من الحقيقة، لكنها وحدها لا تكفي.

فالتحولات الكبرى في حياة الشعوب نادرًا ما يصنعها سبب واحد.

كانت هناك أخلاق وعلاقات وثقة.

وكانت هناك مصاهرة.

وتجارة.

وشبكات واسعة تربط المسلمين في موانئ بعيدة بعضها ببعض.

ثم العلماء والدعاة والمتصوفة.

ثم الحكام والمؤسسات.

وكان للدخول في هذه الشبكات وجه دنيوي أيضًا.

وهذا أمر طبيعي.

فالتاجر الذي يصل إلى مدينة بعيدة ويجد فيها جماعة يثق بها، وشريكًا يعرف قواعد التعامل معه، ومسجدًا يجمعه بأناس لم يرهم من قبل، يشعر أنه ينتمي إلى عالم أوسع من مدينته.

والناس لا يعيشون الدين خارج الدنيا.

يدخل الإيمان إلى حياتهم من أبواب متعددة؛ من فكرة اقتنعوا بها، أو رجل وثقوا به، أو زواج، أو صداقة، أو عالم جلسوا إليه.

وأحيانًا تجتمع هذه الأسباب كلها.

لهذا أظن أن السؤال الأجمل ليس:

ما العامل الذي أسلم إندونيسيا؟

بل:

كيف اجتمعت عوامل كثيرة، على مدى قرون، حتى صار الإسلام جزءًا من حياة أغلبية أهلها؟

وربما لهذا تبدو الحكاية مألوفة وغريبة للعربي في آن واحد.

مألوفة لأن الدين دينه.

وغريبة لأن الطريق إليه هنا لم يكن الطريق الذي اعتاد أن يقرأه في كتب الفتوح.

نحن نعرف اليرموك والقادسية وفتح مصر.

أما هنا، فالبداية مختلفة.

مرفأ.

وسوق.

وسفينة تنتظر الريح.

ثم بيت.

ثم جيل جديد.

ومن العلاقات الصغيرة التي لا تبدو لأول وهلة جديرة بكتاب تاريخ، بدأت واحدة من أضخم قصص انتشار الإسلام في العالم.

لا يجعل هذا الطريق أفضل من غيره ولا أسوأ.

يجعله مختلفًا.

ولعل اختلافه هو ما يجعله جديرًا بأن يعرفه العرب.

وفي آخر الموسم، تتغير الريح.

يرفع البحارة الأشرعة.

تغادر السفن الميناء وقد امتلأت بما جاءت من أجله: التوابل والبضائع.

وربما رحل التاجر.

وربما بقي.

وضاعت أسماء أكثر هؤلاء الرجال كما تضيع أسماء عامة الناس في كتب التاريخ.

لكن بعض ما صنعوه لم يرحل.

بقيت أسر.

وبقيت جماعات صغيرة.

وبقيت صلاة على الساحل.

ثم كبرت الجماعات، وظهر العلماء، وأصبح الإسلام دين الغالبية في مساحات واسعة من الأرخبيل.

رحلت السفينة، وبقي ما حملته.

وإذا أردنا أن نرى مكانًا تحولت فيه هذه البدايات المتفرقة إلى مجتمع إسلامي قوي، وعلم، وسلطان، وهوية بقي أثرها إلى اليوم، فعلينا أن نبحر شمالًا.

إلى طرف سومطرا.

إلى أرض ارتبط اسمها بمكة، مع أن بينهما آلاف الكيلومترات.

إلى آتشيه.

لماذا سميت «رواق مكة»؟

وكيف أصبحت واحدة من أهم بوابات الإسلام في جنوب شرق آسيا؟

تلك حكايتنا في الأسبوع القادم.

مصادر ومراجع المقال

  • M. C. Ricklefs, A History of Modern Indonesia Since c.1200.
  • Azyumardi Azra, The Origins of Islamic Reformism in Southeast Asia.
  • Michael Laffan, The Makings of Indonesian Islam: Orientalism and the Narration of a Sufi Past.
  • Anthony Reid, Southeast Asia in the Age of Commerce, 1450–1680.
  • Thomas W. Arnold, The Preaching of Islam.
  • محمود شاكر السوري، إندونيسيا.
تنويه مهم
المقالات المنشورة في باب الرأي تعبِّر عن وجهة نظر كاتبها فقط،
ولا تُمثِّل بالضرورة الموقف الرسمي لموقع «إندونيسيا اليوم».
قاموس إندونيسيا اليوم
العربية + مثال الإندونيسية الإنجليزية
الأَرْخَبِيلُ
يُعَدُّ الأَرْخَبِيلُ الإِنْدُونِيسِيُّ أَكْبَرَ حَاضِنَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ فِي العَالَمِ.
Nusantara / Kepulauan
Kepulauan Indonesia (Nusantara) merupakan tempat bernaung umat Islam terbesar di dunia.
Archipelago
The Indonesian archipelago is the largest home to Muslims in the world.
المُصَاهَرَةُ
لَعِبَتِ المُصَاهَرَةُ دَوْرًا مِحْوَرِيًّا فِي انْتِشَارِ الإِسْلَامِ بَيْنَ السُّكَانِ المَحَلِّيِّينَ.
Perkawinan (Antarbangsa) / Hubungan Kekerabatan
Perkawinan memainkan peran penting dalam penyebaran Islam di kalangan penduduk setempat.
Intermarriage / Affinity
Intermarriage played a pivotal role in the spread of Islam among the local population.
الرِّيَاحُ المَوْسِمِيَّةُ
كَانَتِ الرِّيَاحُ المَوْسِمِيَّةُ تُحَدِّدُ مَوَاعِيدَ وُصُولِ وَمُغَادَرَةِ السُّفُنِ التِّجَارِيَّةِ.
Angin Muson / Angin Musim
Angin muson menentukan jadwal kedatangan dan keberangkatan kapal-kapal niaga.
Monsoon Winds
Monsoon winds determined the arrival and departure schedules of merchant ships.
التَّاجِرُ
حَمَلَ التَّاجِرُ المُسْلِمُ دِينَهُ وَأَخْلَاقَهُ إِلَى جَانِبِ بَضَائِعِهِ.
Pedagang / Saudagar
Pedagang Muslim membawa agama dan akhlaknya di samping barang dagangannya.
Trader / Merchant
The Muslim trader carried his religion and morals alongside his merchandise.
رَسَا (فِعْل)
رَسَتِ السَّفِينَةُ التِّجَارِيَّةُ فِي المِينَاءِ انْتِظَارًا لِتَبَدُّلِ الرِّيَاحِ.
Berlabuh / Bersandar (Kata kerja)
Kapal niaga tersebut berlabuh di pelabuhan menunggu pergantian angin.
Docked / Anchored (Verb)
The merchant ship docked at the port waiting for the winds to change.
اِعْتَنَقَ (فِعْل)
اِعْتَنَقَ أَهْلُ البِلَادِ الدِّينَ الجَدِيدَ طَوَاعِيَةً دُونَ إِكْرَاهٍ.
Memeluk / Menganut (Kata kerja)
Penduduk setempat memeluk agama baru tersebut secara sukarela tanpa paksaan.
Embraced / Converted (Verb)
The locals embraced the new religion voluntarily without coercion.
اِنْدَمَجَ (فِعْل)
اِنْدَمَجَ الوَافِدُونَ فِي المُجْتَمَعِ المَحَلِّيِّ وَصَارُوا جُزْءًا مِنْ نَسِيجِهِ.
Berbaur / Berintegrasi (Kata kerja)
Para pendatang berbaur dalam masyarakat setempat dan menjadi bagian dari strukturnya.
Assimilated / Integrated (Verb)
The newcomers assimilated into the local community and became part of its fabric.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.