نوسانتارا… قبل أن تكون هناك إندونيسيا
ما الذي كان قبل الجمهورية والاسم الحديث؟
- يتناول المقال الدور المحوري لمضيق ملقا في تشكيل إمبراطورية «سريفيجايا» البحرية، التي لم تكن مجرد مركز تجاري عالمي، بل حاضرة علمية كبرى ومحطة للباحثين في جنوب شرق آسيا.
- يسلط النص الضوء على مملكة «ماجاباهيت» وقصة الوزير «غاجاه مادا» وقسمه الشهير لتوحيد الأرخبيل، وكيف تحولت كلمة «نوسانتارا» إلى رمز تاريخي يجمع آلاف الجزر.
- يبرز المقال كيفية تعاطي الإندونيسيين مع تاريخهم المتنوع واعتزازهم بالمراحل السابقة للإسلام كجزء من هويتهم الوطنية، ممهدًا للحديث عن وصول الإسلام إلى المنطقة في المقال القادم.
سلسلة: إندونيسيا بعيون عربية
المقال الثالث
كتبه : د نضال كمال سليم ابوعجوة
في المقال الماضي تركناك أمام سؤال: كيف صارت آلاف الجزر وطنًا واحدًا؟
وقلنا إن الفكرة قد تصنع أحيانًا ما يعجز عنه البحر.
لكن الحكاية أقدم مما نظن.
فقبل أن يولد اسم «إندونيسيا» بقرون، وقبل أن تُعلن الجمهورية ويرتفع العلم الأحمر والأبيض في جاكرتا، كان رجل قد حمل حلمًا قريبًا من هذا الحلم، وأقسم عليه قسمًا غريبًا بقي اسمه في ذاكرة الإندونيسيين إلى اليوم.
لكن لا نستعجل الرجل ولا قسمه.
فالحكاية بدأت قبل ذلك بزمن طويل.
بيننا وبين تلك البداية أربعة عشر قرنًا.
هناك مضيق من الماء يفصل بين جزيرة سومطرا وشبه جزيرة الملايو. وفي بعض أجزائه يضيق حتى يبدو كأنه عنق مائي تمر منه السفن القادمة من الشرق والغرب.
هذا هو مضيق ملقا.
ولم يكن مجرد ممر بين بحرين.
كان واحدًا من أهم طرق التجارة في العالم القديم؛ تمر منه السفن التي تحمل حرير الصين، وتوابل الجزر، وبضائع الهند، وما يصل من بلاد العرب وإليها.
ومن يسيطر على هذا الطريق، يملك شيئًا من التجارة.
ومن يملك التجارة، لا يتأخر عنه المال والنفوذ.
ولهذا ليس غريبًا أن تبدأ هنا حكاية واحدة من أعظم الدول التي عرفها الأرخبيل.
سريفيجايا… إمبراطورية من ماء
في القرن السابع الميلادي، وفي الوقت الذي كان فيه الإسلام يشرق في مكة والمدينة، كانت قوة أخرى تنهض على سواحل سومطرا الجنوبية، قريبًا من مدينة بالمبانغ الحالية.
اسمها سريفيجايا.
وأقدم نقش معروف يذكر اسمها يعود إلى سنة 682 للميلاد.
لم تكن سريفيجايا مملكة تشبه الممالك التي نعرفها في التاريخ العربي، حيث الأرض الواسعة والقلاع والجيوش التي تزحف على ظهور الخيل.
كانت إمبراطورية بحرية.
قوتها في السفن، ونفوذها في الموانئ، وسلطانها يمتد مع طرق التجارة.
سيطرت على أجزاء مهمة من الطريق البحري، وأمّنت التجارة وفرضت نفوذها على الموانئ المحيطة، وامتد أثرها إلى شبه جزيرة الملايو وأجزاء من جاوا، حتى وصل صيتها إلى الصين والهند.
لكن الجانب الذي قد لا يتوقعه كثير من العرب أن سريفيجايا لم تكن مركز تجارة فقط.
كانت أيضًا مركزًا للعلم.
فقد أصبحت في زمانها واحدًا من المراكز المهمة للدراسات البوذية في جنوب شرق آسيا، وكان يقصدها الرهبان والدارسون من مناطق مختلفة.
ومن أشهر من مر بها الراهب الصيني إي تسينغ، الذي كان في طريقه إلى الهند في القرن السابع الميلادي، فتوقف في سريفيجايا وأقام فيها ليتعلم ويترجم، حتى إنه أوصى من يريد الذهاب إلى الهند للدراسة أن يمكث أولًا في بالمبانغ مدة يتأهل فيها للعلم.
جزيرة في أقصى الشرق كانت محطة لطالب العلم قبل أن يصل إلى الهند نفسها.
وهنا قد تسأل: وما شأن العربي بكل هذا؟
الشأن أقرب مما تتصور.
فالتجار العرب كانوا يعرفون هذه الطرق البحرية، ويمرون بموانئ هذا العالم الواسع. والطريق الذي حمل الحرير والتوابل والبضائع، سيكون هو نفسه — بعد ذلك — واحدًا من الطرق التي عبر منها الإسلام إلى الأرخبيل.
لكن لهذا حديثه.
ظلت سريفيجايا قوة كبرى قرونًا، ثم أخذ نجمها في الأفول، خاصة بعد الحملات البحرية التي تعرضت لها من مملكة تشولا في جنوب الهند في القرن الحادي عشر، ومع تغير طرق التجارة وموازين القوة في المنطقة.
وكما تصعد بعض الدول مع البحر، قد تنحسر معه.
لكن الأرخبيل لا يترك العرش فارغًا طويلًا.
كانت قوة جديدة تستعد للصعود.
وهذه المرة من جاوا.
ماجاباهيت… حين بدأ حلم الجزر
في أواخر القرن الثالث عشر قامت في شرق جاوا مملكة هندوسية صار اسمها بعد ذلك رمزًا للعظمة في الذاكرة الإندونيسية:
ماجاباهيت.
بلغت هذه المملكة درجة كبيرة من القوة والنفوذ، وأصبحت عند الإندونيسيين رمزًا لعصر قديم من المجد، كما تستحضر أمم كثيرة عصورها الذهبية حين تتحدث عن تاريخها.
وفي بلاط هذه المملكة يظهر الرجل الذي حدثتك عنه في البداية.
غاجاه مادا.
لم يكن ملكًا.
كان الوزير الأكبر، أو الرجل الثاني في الدولة، لكنه تحول مع الوقت إلى واحد من أشهر رجال التاريخ الإندونيسي.
بدأ حياته في الحرس الملكي، ثم صعد في مناصب الدولة حتى أصبح صاحب نفوذ واسع في بلاط ماجاباهيت.
وفي القرن الرابع عشر، عند توليه منصبه الكبير، ارتبط اسمه بقسم شهير ما زال الإندونيسيون يعرفونه باسم:
Sumpah Palapa — قسم بالابا.
وتروي المصادر القديمة أنه أقسم ألا يتذوق طعامًا فيه توابل، وألا ينعم بالراحة، حتى تُخضع ماجاباهيت مناطق نوسانتارا التي عدد أسماءها في قسمه.
وفي الصورة مفارقة لا تخفى: رجل يحرم نفسه من التوابل، في أرض هي مصدر التوابل للعالم. وقد اختلفت تفسيرات كلمة «بالابا» نفسها، لكن الذي بقي في الذاكرة الإندونيسية هو المعنى الأهم:
رجل تعهد ألا يهدأ حتى تجتمع الجزر تحت نفوذ واحد.
لعل هذا هو السبب في أن القسم لم يبق مجرد قصة من قصص القصور القديمة.
فالفكرة التي حملها كانت أكبر من الرجل نفسه.
نوسانتارا… الكلمة التي بقيت
الكلمة التي ارتبطت بقسم غاجاه مادا هي:
Nusantara — نوسانتارا.
وهي كلمة جاوية قديمة استُعملت للدلالة على الجزر الواقعة خارج مركز جاوا، ثم اتسع معناها مع الزمن، حتى أصبحت اليوم من أكثر الكلمات حضورًا حين يريد الإندونيسي أن يتحدث عن أرخبيله بوصفه وحدة تاريخية وحضارية.
قد تتغير الدول، وتسقط الممالك، وتُنسى أسماء ملوك كثيرين.
لكن بعض الكلمات تعيش أطول من أصحابها.
وهكذا عاشت «نوسانتارا».
بل إن الإندونيسيين، حين أطلقوا أول أقمارهم الصناعية للاتصالات، أطلقوا عليه اسم Palapa، في إشارة إلى القسم القديم.
والفكرة جميلة في ذاتها:
قمر صناعي يربط الجزر بعضها ببعض عبر السماء، ويحمل اسم وعد قديم كان يريد أن يربط بينها قبل قرون.
لا يحتاج المرء إلى كثير من البلاغة هنا.
الحكاية بليغة وحدها.
لكن الأمانة تقتضي أن نتوقف قليلًا.
ماجاباهيت لم تكن «إندونيسيا» بالمفهوم الحديث، ولم تحكم كل المناطق التي تقع اليوم داخل الجمهورية حكمًا موحدًا كما تفعل الدولة الحديثة.
وكثير من صور عظمتها اختلط فيها التاريخ بالذاكرة الشعبية والفخر القومي.
والمؤرخون يميزون بين ما تثبته النقوش والوثائق، وبين ما أضافته القرون اللاحقة من قصص وروايات.
وهذا أمر لا يخص الإندونيسيين وحدهم.
فما من أمة تقريبًا إلا ولها تاريخ تقرؤه، وتاريخ آخر تحبه.
وربما نحن العرب نفهم ذلك جيدًا.
وللعربي في هذه الحكاية شيء مألوف
نعرف نحن العرب معنى أن تحتفظ الأمة في ذاكرتها بصورة عصر ذهبي.
نستحضر بغداد.
ودمشق.
والقاهرة
وقرطبة.
ونروي قصص العلم والقوة والحضارة، وأحيانًا يختلط في ذاكرتنا التاريخ بالحنين.
والإندونيسي يفعل شيئًا شبيهًا عندما يستحضر سريفيجايا وماجاباهيت.
ليس لأنه يريد أن يعود إلى البوذية أو الهندوسية، وإنما لأنه يرى في هذه الممالك جزءًا من تاريخ أرضه.
وهذه نقطة لفتت انتباهي منذ بدأت أفهم المجتمع الإندونيسي بصورة أعمق.
فالإسلام الذي جاء بعد ذلك لم يدفع الإندونيسي المسلم إلى أن يمحو كل ما سبقه من ذاكرة وطنه.
يستطيع أن يكون مسلمًا، وأن يعتز في الوقت نفسه بتاريخ سريفيجايا وماجاباهيت بوصفهما جزءًا من تاريخ هذه الأرض.
وقد تبدو هذه الفكرة بسيطة، لكنها تساعد كثيرًا في فهم الطريقة التي تشكلت بها الهوية الإندونيسية الحديثة.
فالبلاد لم تبدأ سنة 1945.
والإندونيسي لا يرى أن تاريخ وطنه بدأ يوم إعلان الجمهورية.
هناك طبقات من التاريخ فوق بعضها:
بوذية وهندوسية، ثم إسلامية، ثم استعمارية، ثم وطنية حديثة.
وكل طبقة تركت شيئًا.
ولعل سر إندونيسيا في جانب منه أنها لم تحاول دائمًا أن تمحو الطبقة السابقة لكي تكتب الطبقة الجديدة.
إذن كان الحلم موجودًا قبل أن يوجد الاسم الحديث.
وكانت هناك، قبل «إندونيسيا»، كلمة اسمها نوسانتارا.
وكانت هناك ممالك كبيرة، وأساطيل، وموانئ، وطرق تجارة، ومدن علم، وأناس ينظرون إلى هذه الجزر المتناثرة ويحلمون بطريقة أو بأخرى أن تكون بينها رابطة.
ثم نام هذا الحلم طويلًا.
وسيأتي القرن العشرون ليوقظه من جديد، ولكن بصورة مختلفة تمامًا.
غير أن شيئًا آخر حدث قبل ذلك، وغيّر وجه الأرخبيل كله.
فبينما كانت الممالك تقوم وتسقط، وكانت السفن تدخل موانئ سومطرا وجاوا محملة بالحرير والتوابل، كانت سفن أخرى تصل كذلك.
لم تكن تحمل جيشًا.
ولم يكن على متنها فاتح جاء ليضم أرضًا إلى إمبراطوريته.
كان معها تجار ومسافرون، ومعهم دين جديد سيصبح بعد قرون دين أغلبية سكان هذه الجزر.
كيف وصل الإسلام إلى أكبر بلاد المسلمين في العالم؟
ومن جاء به أول مرة؟
وهل جاء من بلاد العرب مباشرة، أم من الهند، أم أن الحكاية أعقد من ذلك كله؟
هذه حكايتنا في المقال القادم.
مصادر ومراجع المقال
– Encyclopaedia Britannica، مادة Srivijaya Empire.
– G. Cœdès، دراساته في الممالك المتأثرة بالحضارة الهندية في جنوب شرق آسيا.
– Pararaton و Nagarakertagama، من المصادر الجاوية المرتبطة بعصر ماجاباهيت وقسم بالابا.
– M. C. Ricklefs, A History of Modern Indonesia Since c.1200.
– Anthony Reid, Southeast Asia in the Age of Commerce.
تنويه مهمالمقالات المنشورة في باب الرأي تعبِّر عن وجهة نظر كاتبها فقط،
ولا تُمثِّل بالضرورة الموقف الرسمي لموقع «إندونيسيا اليوم».
| العربية + مثال | الإندونيسية | الإنجليزية |
|---|---|---|
| الأَرْخَبِيل تَشَكَّلَتْ هُوِيَّةُ إِنْدُونِيسِيَا عَبْرَ تَارِيخٍ طَوِيلٍ جَمَعَ جُزُرَ الأَرْخَبِيلِ فِي رَابِطَةٍ وَاحِدَةٍ. |
Kepulauan Identitas Indonesia terbentuk melalui sejarah panjang yang menyatukan pulau-pulau kepulauan dalam satu ikatan. |
Archipelago Indonesia’s identity was shaped through a long history that brought the islands of the archipelago into one bond. |
| نُوسَانْتَارَا بَقِيَتْ كَلِمَةُ نُوسَانْتَارَا حَاضِرَةً فِي الوَعْيِ الإِنْدُونِيسِيِّ بِوَصْفِهَا رَمْزًا لِوَحْدَةِ الأَرْخَبِيلِ. |
Nusantara Kata Nusantara tetap hadir dalam kesadaran Indonesia sebagai simbol persatuan kepulauan. |
Nusantara The word Nusantara remains present in Indonesian consciousness as a symbol of archipelagic unity. |
| إِمْبِرَاطُورِيَّةٌ بَحْرِيَّة لَمْ تَكُنْ سْرِيفِيجَايَا مَمْلَكَةً بَرِّيَّةً وَاسِعَةً، بَلْ إِمْبِرَاطُورِيَّةً بَحْرِيَّةً اعْتَمَدَتْ عَلَى السُّفُنِ وَالمَوَانِئِ. |
Kerajaan Maritim Sriwijaya bukan kerajaan darat yang luas, melainkan kerajaan maritim yang bertumpu pada kapal dan pelabuhan. |
Maritime Empire Srivijaya was not a vast land kingdom, but a maritime empire built on ships and ports. |
| مَضِيقُ مَلَقَا شَكَّلَ مَضِيقُ مَلَقَا طَرِيقًا تِجَارِيًّا حَيَوِيًّا رَبَطَ بَيْنَ الشَّرْقِ وَالغَرْبِ فِي العَالَمِ القَدِيمِ. |
Selat Malaka Selat Malaka menjadi jalur perdagangan penting yang menghubungkan Timur dan Barat di dunia lama. |
Strait of Malacca The Strait of Malacca formed a vital trade route linking East and West in the ancient world. |
| طُرُقُ التِّجَارَة أَسْهَمَتْ طُرُقُ التِّجَارَةِ فِي صُعُودِ سْرِيفِيجَايَا وَتَعْزِيزِ نُفُوذِهَا فِي جَنُوبِ شَرْقِ آسِيَا. |
Jalur Perdagangan Jalur perdagangan berperan dalam kebangkitan Sriwijaya dan penguatan pengaruhnya di Asia Tenggara. |
Trade Routes Trade routes contributed to the rise of Srivijaya and strengthened its influence in Southeast Asia. |
| نَهَضَ / صَعِدَ نَهَضَتْ سْرِيفِيجَايَا فِي القَرْنِ السَّابِعِ المِيلَادِيِّ قُرْبَ مَدِينَةِ بَالِمْبَانْغ الحَالِيَّةِ فِي سُومَطْرَا. |
Bangkit / Muncul Sriwijaya bangkit pada abad ketujuh Masehi di dekat Kota Palembang sekarang di Sumatra. |
Rose / Emerged Srivijaya rose in the seventh century near present-day Palembang in Sumatra. |
| أَفَلَ / تَرَاجَعَ بَدَأَ نَجْمُ سْرِيفِيجَايَا يَأْفُلُ مَعَ تَغَيُّرِ طُرُقِ التِّجَارَةِ وَمَوَازِينِ القُوَّةِ فِي المِنْطَقَةِ. |
Meredup / Menurun Kejayaan Sriwijaya mulai meredup seiring perubahan jalur perdagangan dan keseimbangan kekuatan di kawasan. |
Declined / Faded Srivijaya’s power began to decline as trade routes and regional balances of power changed. |