“اليوم العالمي للغة العربية “

( 18 ديسمبر 1973م )

0 64

ربمانسي الكثيرون أن اليوم هو اليوم العالمي للغة العربية. تحديدًا في ( 18 ديسمبر 1973م )، تم تسجيل اللغة العربية رسميًا كلغة عالمية من قبل اليونسكو. وبذلك تصبح اللغة العربية، اللغة الرسمية السادسة التي يتم التحدث بها في الأمم المتحدة إلى جانب اللغات الرسمية الأخرى. وبمبادرة من المملكة العربية السعودية و وجمهورية مصر العربية وعدد من الدول العربية الشقيقة، تم تحديد اليوم الثامن عشر من ديسمبر كيوم تاريخي، وهو اليوم العالمي للغة العربية.
كلغة عالمية، لم تعد اللغة العربية لغة مختصة بالمسلمين فقط. فقد عُرفت على المستوى العالمي وتستخدم على نطاق واسع في مختلف الدراسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية.فهناك حوالي 280 مليون متحدث للغة العربية ، منتشرين في بلدان مختلفة بما في ذلك اندونيسيا.
بصفتنا كاندونيسيين يجب أن نفتخر بأنفسنا، لأن اللغة العربية هي أحد المواد التي يجب تدريسها في المدارس وعدد من الجامعات في اندونيسيا، تحت إشراف وزارة الدين ووزارة التربية والتعليم.
ولكن على الرغم من أنها مادة واجبة في المدارس والجامعات الإندونيسية، إلا أن النتائج لا تزال بعيدة عما كان متوقعًا. حيث تشير نتائج اكتساب اللغة العربية في بعض المؤسسات التعليمية الإسلامية على أنها لاتزال متدنية بعض الشيء. بالإضافة إلى ذلك، لا تزال أجواء وثقافة التحدث بالعربية نادرة الوجود في المؤسسات التعليمية الإندونيسية. وفي مختلف المنتديات والندوات على الصعيدين الوطني والدولي، يعد هذا موضوعًا ساخنًا بين خبراء اللغة ومطوري التعليم ومدربي ومحاضري ومعلمي اللغة العربية.
وحتى الوقت الراهن، تبدو اللغة العربية لغة صعبة الإكتساب ومعقدة. ولكن في علم اللغة قد علمنا بأن لكل لغة لها درجة من الصعوبة التي تختلف باختلاف خصائصها، سواء كان من حيث علم الأصوات، الصرف والنحو، أوعلم الدلالات.
على سبيل المثال، هناك بعض الكلمات الإنجليزية والفرنسية التي تعتبر صعبة النطق، بسبب هجائها التي تخالف كثيرًا أو لا تتوافق مع صيغتها المكتوبة. إضافة على ذلك هناك بعض الكلمات التي تتشابه كتابيًا لكن تختلف في كيفية النطق.
إذًا الصورة السلبية للغة العربية كلغة صعبة الإكتساب ومعقدة ليست صحيحة تمامًا في الواقع. ويتضح ذلك من حيث أننا نرى أن من يتقن اللغة العربية ليسوا فقط من العرب. بل هناك خريجين من غير العرب وغير المسلمين الذين تعمقوا في دراسة اللغة العربية، لإعتبارهم بأنها لغة شيقة ومهمة للغاية.
الإنطباع والصورة السلبية للغة العربية بأنها لغة صعبة ومعقدة لها تأثير عميق على ظروف متعلميها النفسية. وهذا الوضع غير موات تمامًا للمسلمين وعالم التعليم الإسلامي، وخاصة تعليم اللغة العربية. وكيف يكون تعليم اللغة العربية فعالًا إذا ما استمرت هذه الصورة السلبية في ملاحقة الأشخاص الذين يريدون تعلمها ؟!
أظهرت نتائج البحث الذي أجراه فتحي علي يونس في مصر عام (1997م) بأن أغلب الطلاب الذين سئلوا عن رأيهم في دراسة اللغة العربية ، أجابوا بأنها صعبة. وإذا سُئلوا عن كيف يمكنك القول أن تعلم اللغة العربية أمر صعب؟ أجابوا : بأن ” الكثير من الناس قد اتفقوا على ذلك ، والمجتمع قد أيقنوا بالفعل من أن تعلم اللغة العربية أمر صعب و معقد وحتى إن تمَّ ذلك على مدار سنوات”.
وقد توصل البحث الذي أجراه فتحي علي يونس إلى نتيجة مفادها: بأن هذا الإنطباع والصورة السلبية للغة العربية قد بدأت بالظهور في نهاية القرن التاسع عشر، عند استعمار الغرب للعالم الإسلامي.بل في أوائل القرن العشرين، تردد صدى الدعوة لاستبدال اللغة العربية الفصحى بالعامية في مصر.
وهذا متفق حقيقة لما قاله خبير اللغة العربية في الجامعة الإسلامية الحكومية جاكرتا الدكتور محبيب عبد الوهاب، أن الصورة السلبية للغة العربية هي جزء لا يتجزأ من الحرب الثقافي، التي شنَّها المستعمرون الغربيون عمدًا بهدف إبعاد المسلمين عن كتابهم العظيم (القرآن الكريم) لعدم فهمهم اللغة العربية.
وتوافقًا مع البحث الذي أجراه فتحي علي يونس ، أجرى الكاتب بحثًا حول تعلم اللغة العربية في المدرسة الثانوية في ثلاث من المدن. من نتائجه تبين أن 65٪ من الطلاب لم ينجذبوا ولم يعيروا اهتمامًا لدروس اللغة العربية، مما يجعلها المادة الأقل جاذبية للطلاب مقارنة باللغتين الإنجليزية والإندونيسية.
من خلال ماتوصل إليه الكاتب، هناك عدة أسباب وراء عدم انجذاب واهتمام الطلاب باللغة العربية. من بينها أولاً: مشكلة الكتب المدرسية، من حيث المحتوى أو المواضيع التي تتطرق لها، فهي غير ودية للغاية و بعيدة كل البعد عن التجربة الحقيقية للطلاب فهي أكثر تركيزًا على الحياة الأخروية.
بينما في الواقع، يجب أن نعلم اللغة من خلال ما نعيشه في العادات اليومية. حيث يُظهر البحث الذي أجراه براين عام (2000 م ) بأننا نتعلم بشكل أفضل عندما يرتبط المعلومات الجديدة بالواقع الذي نعيشه. وبالمثل، سيتمكن الطلاب حتمًا من التعلم بشكل أفضل عندما ترتبط الدروس بحياتهم اليومية (جونسون، 2005م ).
ثانياً، مؤهلات معلمي اللغة العربية لا تلبي المعايير المهنية اللازمة. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال أن الكثير من معلمي اللغة العربية ليسوا من خريجي تعليم اللغة العربية ولا هم متخصصين في اللغة العربية. حيث تُظهر البيانات الصادرة عن وزارة الشؤون الدينية الإندونيسية أن 30% من المعلمين في المدارس الدينية غير مؤهلين كمعلمين محترفين، بما في ذلك مدرسو اللغة العربية. عادة ما يتخرجون فقط من المدارس الثانوية أو من خريجي التعليم الديني أو ممن يملكون شهادة الدبلوم.
كما تشير بيانات أخرى إلى أن 52.7٪ من معلمي المدرسة الثانوية ، بمن فيهم مدرسو اللغة العربية، ليسوا متخصصين مؤهلين. ثم إن لم يكن لدى معظم معلمي اللغة العربية في المدارس خلفية تعليمية عن اللغة العربية، فهل يمكن أن يزيد ذلك من انجذاب واهتمام الطلاب بتعلم اللغة العربية أو العكس ؟!
ثالثًا، الأساليب المستخدمة في تعليم اللغة العربية أقل تنوعًا. حيث يظهر لنا جليًا ميل معلمو اللغة العربية إلى استخدام الأساليب الكلاسيكية التقليدية. على سبيل المثال، طريقة القواعد والترجمة بدلاً من استخدام طرق أخرى ، مثل الطريقة المباشرة، أو الطريقة الإنسانية الطبيعية ، أو الطريقة الإتصالية .
وفي الحقيقة فعلًا أن طريقة القواعد والترجمة هي من أسهل الطرق التعليمية تنفيذًا مقارنة بالطرق التعليمية الأخرى. حيث يُسمح للمعلمين باستخدام لغتهم الأم أو لغتهم الوطنية كوسيلة للتواصل أثناء الحصة.
رابعاً: إهمال استخدام الوسائل التعليمية الحديثة أو المبتكرة. الوسائل التعليمية ليست هدفاً في حد ذاتها وإنما هي كأداة مساعدة في عملية التعليم والتعلم (شيني، 1984 م ). ولكن مع ذلك، فإن استخدام الوسائل التعليمية الجذابة له دور كبير بما يكفي في تحسين نتائج تعلم الطلاب و جذب انتباههم.
بغض النظر عن النتائج التي توصل إليها البحث، فإن جذر المشكلة في تعقيد دراسة اللغة العربية لايكمن في العوامل النفسية والإنطباعات فقط ، ولكن أيضًا في قضية المنهج المقرر.
وهناك عامل مهم آخر يتعلق بكيفية اختيار محتوى المادة وحزمها وكيفية إيصالها للطلاب بطريقة أكثر جاذبية، فيسهل لهم فهم اللغة العربية وممارستها بشكل فعال.

بقلم : الدكتور فيصل مبارك سيف
أستاذ مشارك في جامعة أنتساري الإسلامية الحكومية بنجرماسين و أعضاء اتحاد مدرسي اللغة العربية بإندونيسيا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.