indonesiaalyoum.com
إندونيسيا اليوم

تسطيح الوعي وضياع الهوية.. البروفيسورة مريم آيت أحمد تفكك عجز المناهج أمام التسارع الرقمي

0 157

برعلا زكريا، باحث في علوم الأديان_المغرب

تواجه المجتمعات الإسلامية تحولا جذريا يفرض انتقال منظومة التلقين من مؤسسات الأسرة والمدرسة نحو شبكات الثورة الرقمية المفتوحة. وفي خضم هذا التطور، يجد الجيل الجديد نفسه في صلب مجتمع المعرفة الذي يتخذ من المعلومة والبيانات مقياسا حصريا للقوة والتفوق في الساحة العالمية. من هنا، تقدم الدكتورة مريم آيت أحمد في مؤلفها التنشئة الدينية وجيل مجتمع المعرفة تشريحا دقيقا للتحول البنيوي، مبرزة طبيعة التحديات المعرفية المفروضة على الناشئة. حيث يكشف البحث الأكاديمي تفكك أساليب التلقين الكلاسيكية، مؤكدا عجزها التام عن مواكبة التسارع الرقمي وتوجيه اختيارات الشباب نحو مسارات آمنة. وبناء عليه، يتطلب الوضع الراهن صياغة مقاربة منهجية صارمة تتجاوز التلقين السلبي، لتؤسس لوعي نقدي متين يحمي الهوية الدينية من التذويب الممنهج عبر المنصات الإلكترونية.

في سياق متصل، تخضع الأجيال الحالية لعملية بناء هوية دينية غير متجانسة تتبلور عبر مرجعيات متعددة ومتباينة تشمل منصات التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي بعيدا عن الرقابة الأبوية. ويفرز هذا التعدد المرجعي تشتتا واضحا في المضامين القيمية، مما ينتج معرفة دينية مركبة تتسم بالهشاشة وتفتقر للتماسك الداخلي المطلوب لمواجهة الشبهات. فضلا عن ذلك، تتلقى الناشئة سيلا متدفقا من المعلومات المتضاربة التي تولد تمثلات متناقضة، تجعل الشاب يجمع بين التسامح والتعصب في آن واحد داخل بنيته الفكرية. بل يدعي المتلقي أحيانا حب الدين كمقابل نظري، بينما يمارس سلوكيات يومية تناقض مبادئه الأساسية بشكل صريح. ويعكس هذا التخبط المفاهيمي ضعفا حادا في الأطر المعرفية، ليعطل قدرة الشباب البنيوية على تمييز المعلومة الصحيحة من المغلوطة أو استيعاب أسباب الاختلاف المذهبي والتاريخي.

من جهة أخرى، يعمد الخطاب الديني الموروث إلى ترويج مقاربة ماضوية ترتكز حصرا على صورة مثالية ومجردة وغير واقعية للتاريخ الإسلامي، الأمر الذي يعيق مسار التفكير العقلاني المستقل. وتعتمد هذه المنهجية المتقادمة على فصل النصوص المقدسة عن سياقها التاريخي والاجتماعي، محاولة استنساخ تفاصيل العصور القديمة حرفيا دون مراعاة لتطور الحاجيات البشرية المعقدة. ونتيجة لذلك، يؤدي حصر معاني الدين في حقبة الماضي وتغييب البعد المقاصدي الشامل إلى خلق فجوة عميقة بين مجريات التاريخ الحقيقي والتمثلات الذهنية المترسخة بقوة لدى الشباب. ليكتفي المتلقي المفتقر للأدوات المنهجية باستهلاك مقولات جاهزة تعتمد على السماع والنقل غير الموثق، عوض إعمال العقل والبحث العلمي الرصين المعتمد على مقارعة الحجة بالدليل.

ميدانيا، يسجل التواصل بين الأجيال قطيعة عمودية واضحة تتجلى في ضعف نقل القيم والمعارف من الآباء إلى الأبناء بسبب اختلاف الظروف الزمنية وتزايد نسبة الجهل المعرفي في الأوساط المهمشة. ليترسخ لدى الأبناء اقتناع ثابت بعدم كفاءة الآباء وتدني مستواهم في قضايا الدين والحياة أمام الزخم الإعلامي المتاح على مدار الساعة. وبسبب هذا التهميش الرمزي وغياب الحوار الفعال، تندفع فئة الشباب نحو البحث عن بدائل أفقية تتمثل في مجموعات موازية تعوض النقص التواصلي المتراكم داخل الأسرة. وتتنوع هذه التكتلات البديلة بين فرق موسيقية وطرق صوفية وتنظيمات متطرفة، لتصل أحيانا إلى اعتناق سري لمذاهب أخرى أو التوجه نحو الإلحاد غير المعلن. هكذا، تصبح الكيانات الموازية عنوانا أساسيا لولاء الشباب، موجهة طاقاتهم نحو مسارات تخريبية تعمق اغترابهم المجتمعي والفكري.

تابع الأخبار والمقالات الأخرى على قناة واتساب
احصل على آخر الأخبار والمحتويات فور نشرها
انضم لقناة واتساب WhatsApp
شارك هذه المعلومات المفيدة مع أصدقائك!

وبموازاة مع هذه التحديات، تصطدم محاولات الإصلاح التربوي بعزوف شامل عن قراءة الكتب الورقية والمصادر المرجعية الموثوقة، مقابل استهلاك مكثف للوسائط المتعددة والمحتوى الرقمي السطحي الذي تبثه الشاشات الذكية يوميا. ويساهم التخلي الممنهج عن ارتياد المكتبات وتكوين الرصيد المعرفي الشخصي في إضعاف الملكة النقدية، محولا فئة الشباب إلى مجرد مستهلكين للرداءة المسوقة عبر الخوارزميات العالمية الموجهة للربح السريع. لمواجهة هذا الانحدار، يطرح مؤلف التنشئة الدينية وجيل مجتمع المعرفة ضرورة ملحة لاستثمار محرك الدين بغية تحفيز الإرادة الفردية وامتلاك ناصية العلوم الدقيقة والتقنية الحديثة. ويستوجب هذا الهدف الاستراتيجي تجاوز الإجماع الأسري المبهم حول أهمية الدين شكليا، نحو تأسيس حوار معرفي صريح يربط الأحكام الفقهية بمقاصدها التشريعية ويخدم قضايا الإنسان اليومية بعيدا عن التلقين الجاف المحفوظ.

علاوة على ما سبق، تنتقد الباحثة بشدة أساليب البرمجة التعليمية في مراحل الطفولة المبكرة التي تعتمد التخويف منهجا للتربية. حيث يتم إلزام أطفال في سن الرابعة بحفظ سور مكية تتحدث عن مشاهد القيامة والعذاب، مما يولد لديهم تمثلات مشوهة عن الخالق تتسم بالخوف بدل المحبة. وتدعو الرؤية الأكاديمية الجديدة إلى استبدال هذا النهج القاسي ببرامج تركز على قيم الرحمة والتعاون والتسامح، لترسيخ العقيدة عبر إشعار الطفل بالأمان وجمال الكون. إذ يضمن التدرج المنهجي المراعي لمراحل النمو النفسي والجسمي بناء مفاهيم دينية سليمة تتوافق مع قدرات المتعلمين الإدراكية، بعيدا عن الاستدلال بنظريات تلقينية نشأت في عصور اتسمت بانعدام وسائل الاتصال وشح أدوات المعرفة.

إلى جانب ذلك، تبرز إشكالية الفصل التعسفي بين المعرفة الأكاديمية المجردة ومنظومة القيم الأخلاقية والمهارات الحياتية داخل المدرجات الجامعية. لتعالج الدكتورة هذا الخلل عبر المطالبة بإدراج مجزوءات الثقافة الإسلامية في المدارس العليا للهندسة والطب والاقتصاد، لضمان استمرار صلة الطالب بالمرجعية الأخلاقية وتخريج كفاءات مهنية تمتلك وعيا مقاصديا. ويسمح هذا الانفتاح المعرفي بمناقشة قضايا راهنة كالإسلاموفوبيا والتطرف وحوار الثقافات بأسلوب أكاديمي منظم داخل المختبرات، بعيدا عن التأويلات العشوائية التي يتلقفها الشباب من منصات الإنترنت. ليتشكل بذلك جيل من الخبراء يجمع بين التفوق التقني والتشبع بقيم المواطنة والاستخلاف الإيجابي في الأرض.

أمام هذا التخبط المفاهيمي وضعف الأطر المعرفية لدى الأجيال الصاعدة، تبرز الحاجة لمراجعة شاملة للسياسات التعليمية المعتمدة وبرامج التوجيه الأسري والإعلامي داخل الدول الإسلامية. وتتحمل القطاعات الحكومية الوصية والمؤسسات الدينية الرسمية ومراكز البحث العلمي تبعات استمرار الخطابات الجامدة وعجزها عن تقديم إجابات مقنعة لأسئلة العصر الرقمي المتسارعة وتحدياته الجيوسياسية. إذ يكلف التأخر في تجديد المناهج التربوية وتفعيل العقل والاجتهاد المجتمعات الحالية خسائر فادحة في رأسمالها البشري الذي بات عرضة للاستلاب الفكري والاغتراب الهوياتي الدائم. ليفرض الواقع التكنولوجي الراهن تدخلا مؤسساتيا عاجلا لإنقاذ الناشئة من سطوة المجموعات الموازية وإعادة الاعتبار للمعرفة الجادة كحصن أخير يقي المجتمعات من التطرف والعدمية والضياع.


تنويه مهم
المقالات المنشورة في باب الرأي تعبِّر عن وجهة نظر كاتبها فقط،
ولا تُمثِّل بالضرورة الموقف الرسمي لموقع «إندونيسيا اليوم».
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.