التواصلُ المعرفي بوابةٌ لاكتشاف الحقيقة كما هي - إندونيسيا اليوم
إندونيسيا اليوم
تأسس إندونيسيا اليوم في 24 ابريل عام 2014م, وبدأ بثها التجريبي في 29 ابريل 2014م, لتكون بذلك من أوائل وكالة أنباء في إندونيسيا توفر رسمياً خدمة الأخبار بالعربية

التواصلُ المعرفي بوابةٌ لاكتشاف الحقيقة كما هي

- الإعلانات -

0 597

بقلم/ د.علي بن معيوف المعيوف *

التواصلُ المعرفي بوابةٌ لاكتشاف الحقيقة كما هي
التواصل والاحتكاك المباشر بين الشعوب يُعمِّق اكتشاف الآخر، ويؤسِّسُ لعلاقات احترامٍ متبادَل، أو يُعمِّقُ علاقات الاحترام المتبادل الموجودة بالفعل، وتزداد أهمية التواصل المباشر وتكون ثمرته أعمق حين يكون هذا التواصل معرفيًّا، ويكون أطرافُه من ذَوي التأثير في المجتمعات التي يتواصل أفرادها.

في الأيام القليلة الماضية زار السعودية ضيفان يمثِّلان جامعة أنتساري الإندونيسية التي تقع في مدينة بنجرماسين، وهي من مدن كلمنتان، أحد الضيفين هو مدير الجامعة نفسها الأستاذ الدكتور مجيب الرحمن، والآخر هو مسؤول العلاقات الدولية في الجامعة ومسؤول عن مركز اللغات في الجامعة نفسها الدكتور فيصل مبارك، ومدير الجامعة من الشخصيات الإندونيسية الشابة، ويُمكِنُ أن أصِفَه بأنه من الذين يمثِّلون إندونيسيا الحديثة والمحافظة في الوقت نفسه، وقد كان الهدف من الزيارة توقيع عقد خدمات مع الجامعة السعودية الإلكترونية تستفيد منه الجامعة الإندونيسية بأن تُدرِّس منهج “العربية على الإنترنت” لطلابها وللمجتمع الإندونيسي، فتتيح الجامعة السعودية الإلكترونية للجامعة الإندونيسية هذا المنهج المتطور، ويُدرِّسه الأساتذة الإندونيسيون في الجامعة الإندونيسية لطلابهم وللمستفيدين من أفراد المجتمع الإندونيسي.

وفي هذه الزيارة التي استمرت ثلاثة أيامٍ في مدينة الرياض زار الضيفان الجامعة السعودية الإلكترونية لأجل الموضوع الرئيس الذي حضرا إلى السعودية لأجله، وأدهشهما ترتيب فعالية التوقيع التي اتسمت بصورة رسميّة يغلِّفها الطابع الوديّ في الوقت نفسه، ولم تستغرق فعالية التوقيع أكثر من عشرين دقيقة، حيث وقع الأستاذ الدكتور عبدالله الموسى مدير الجامعة السعودية الإلكترونية عقد الخدمات كما وقع العقد نفسه مدير جامعة أنتساري.

وأعقب فعالية التوقيع جولة للضيفين مع رئيس قسم اللغة العربية لغير الناطقين بها الأستاذ الدكتور عبدالمحسن العقيلي اطلعا فيها على أروقة الجامعة والقاعات التدريسية.

ثم زار الضيفان مركز البحوث والتواصل المعرفي، واستقبلهما رئيس المركز الأستاذ الدكتور يحيى محمود بن جنيد، وسعادة المدير التنفيذي للمركز الأستاذ عبدالله الكويليت، في لقاء تشاوريٍّ وديّ حول أعمال المركز العلمية والتواصلية في إندونيسيا والتعاون المستقبلي بين المركز والجامعة. كما قام الضيفان بجولة غير رسمية في جامعة الملك سعود، واطلعا على التقدُّم الكبير الذي تشهده الجامعة بإمكاناتها العالمية من حيثُ المباني العملاقة والبرامج العلمية والخدمات الإنسانية الطبية والخدمات الاجتماعية، بالإضافة إلى المباني الخاصة بأوقاف الجامعة، ودار النشر في جامعة الملك سعود، والملعب والمباني الرياضية، وسكن الطلاب الجامعي، والسكن الخاص بطلاب المنح، وسكن أعضاء هيئة التدريس.

كما تيسر للضيفين زيارة ودية لأمانة جائزة الملك فيصل العالمية، واستقبلهما سعادة أمين عام الجائزة الأستاذ الدكتور عبدالعزيز السبيل، وسعادة نائب الأمين العام للجائزة الأستاذ إبراهيم الهدلق، وتجوَّل الضيفان في أروقة أمانة الجائزة بصحبة سعادة الأمين العام للجائزة الذي شرح لهما بنفسه تفصيلات مراحل الترشيح للجائزة والتحكيم إلى مرحلة اختيار الفائزين. ولِحُسن الحظ فقد كان أحد الفائزين بجائزة الملك فيصل العالمية هذا العام 2018م الأستاذ الدكتور إرواندي جاسوير، وهو الإندونيسي الذي فاز بفرع الجائزة في مجال خدمة الإسلام، وكان ترشيحه للفوز نتيجة الابتكارات التي أسهم بها في تعرُّف الأطعمة الحلال، ويوصَفُ الدكتور إرواندي في إندونيسيا بـ”البروفيسور حلال”.

إنَّ هذه الزيارة التواصلية المعرفية السريعة قد أثَّرت تأثيرًا إيجابيًّا عميقًا في الضيفين، فعلى الرغم من أنَّ رئيس الجامعة الإندونيسية أ.د. مجيب الرحمن قد دَرَسَ عدة أشهر في معهد العلوم الإسلامية والعربية في جاكرتا التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، إلا أنَّ هذه الزيارة القصيرة التي اتسمت بالوديِّة والحميمية التي استُقبِل بها من المسؤولين في المؤسسات العلمية المعرفية، واحتك فيها احتكاكا مباشرا بأفرادٍ من المجتمع السعودي قد أثَّرت تأثيرًا عميقًا جدًّا في نفسه، ولم يحبس مجيب الرحمن هذه التجربة في نفسه، بل كان يكتب يوميا في الموقع الإلكتروني للجامعة التي يرأسها عن زياراته وتجربته، وهو موقع يتابعه الآلاف من طلاب الجامعة وطالباتها ومنسوبيها. ولم يقف عند هذا الحد، بل إن مجيب الرحمن له مقال دوريّ في صحيفة المنطقة التي يُقيمُ فيها في إندونيسيا “بنجرماسين بوست”، وقد خصَّص المقال الأول له بعد الزيارة ليتحدث فيه عن تجربته خلال ثلاثة أيام قضاها في مدينة الرياض، فكتب مقالًا بعنوان “السعودية و التغيرات” بناه على العبارة الترحيبية التي يستخدمها المجتمع السعودي: “أهلا وسهلا ومرحبًا”، وتحدث فيه بطريقةٍ سلسة عن تجربة الزيارة، وكان البعد العميق لمقاله هو ما وجده في البيئة الحقيقية للمجتمع السعودي حين توفرت له هذه الفرصة المميزة للتواصل المباشر الذي اتسم بأنه تواصل معرفي في المقام الأول، ولم يخل من البعد الثقافي الاجتماعي في الوقت نفسه.

ولا أريد أن أفسد على القارئ الكريم جمالَ ما كتبه مجيب الرحمن في مقاله “السعودية والتغيرات”، فأنقل هنا ترجمةً لمعظم الأفكار التي جاءت في المقال، إذ يقول:
((“أهلا و سهلا و مرحبا” عبارة ترحيبية يقولها السعوديون عند استقبالنا، و غالبا يزيدون عبارة “حياك الله”، وهذا التعبير من ضمن حضارة المجاملة والأدب والسلوك والتراحم، وقد تكون هذه الحضارة عاشت آلاف السنين وما زالت راسخةً إلى الآن. لكن السعودية كغيرها تتغير وتتطور، فيها الثوابت والمتغيرات. ومن زيارتي القصيرة لبعض الجامعات والمؤسسات العلمية والأكاديمية في السعودية ظهر لي أن السعوديين يحاولون أن يواجهوا تحديات الزمن العصري الحديث بالتفاؤل لمستقبلهم مع الحفاظ على القيم التقليدية العظيمة لدى مجتمعهم، فاستخدام العلوم والتكنولوجيا في السعودية يتماشى مع ما يوافق تعاليم الإسلام.

تعبير “أهلا و سهلا و مرحبا” من أمثلة التقاليد التي تستحق التأمل العميق، فكلمة “أهلا” بمعنى العائلة، و”سهلا” بمعنى اليسر والسهولة؛ وعندما يُحترم الضيف كعضو من العائلة فستكون الأمور سهلة ومُيَسَّرة. ولو تصورنا أننا نسافر في الصحراء قبل مائة سنة ماضية، وبينما نحن في أشد حالات التعب دخلنا في قرية وقابَلَنا أهلها كـ “أهل” ويَسَّروا لنا الضيافة والمقام بينهم فبكل تأكيد سنكون سعداء جدا.

إذا كان هذا في الزمن الماضي فكيف يكون في عصرنا الحديث؟ هل ذلك التعبير الترحيبي لمجرد المجاملة؟ أظن لا؛ لأنه من رؤيتي وتجربتي في اللقاءات والتعاون في بلد الحرمين الشريفين، سيكون من السهل جدًا أن تقيم التواصل العميق حينما تحظى بالقرب والثقة وكأنك من “الأسرة” كما في العبارة الترحيبية “أهلا وسهلا”، لأن التواصل الرسمي لا يحظى بالسهولة نفسها، بل له ضوابط إدارية صارمة.

وهذا يأخذني إلى السؤال: هل الضوابط الإدارية الصارمة تشير إلى أن السعوديين منغلقون؟ لا أظن ذلك؛ فإذا نظرنا إلى عدد الوافدين إلى السعودية وتنوعهم وتعدد جنسياتهم سنجد أنَّ السعوديين منفتحون على الجميع؛ حتى يكاد يكون الناس الذين يزورون السعودية من كل الجنسيات في بلدان في العالم، إما للعبادة وإما لكسب المعيشة.

إن السعوديين يعرفون أن الزائرين يفدون إلى بلدهم بحضاراتهم وتقاليدهم المتنوعة التي قد تكون مختلفة بل قد يكون بعضها مناقضا لتقاليد المجتمع السعودي؛ لذلك ربما أن الاحتياط الذي يتخذه السعوديون كان للمحافظة على حضارتهم الخاصة وتقاليدهم في مقابل الحضارات والتقاليد المتعددة والمتنوعة. وهم مع ذلك منفتحون على التطور والعلوم الحديثة، ومن ذلك ما يظهر في تنظيمهم جامعاتهم، فبعض الجامعات تختص في شؤون المباحث الإسلامية، ولا تزال تحافظ على التقاليد العلمية الإسلامية الممتدة لأكثر من ألف سنة، ومن ناحية أخرى، نجد البحوث العلمية والتكنولوجية تُجرى كما تُجرى في الجامعات الغربية الحديثة.

يحاول السعوديون المزج بين تعاليم الإسلام والتحديث، ولا يصعب على السعودية كبلد غني توفير المرافق والوسائل التي يحتاج إليها التعليم والبحث العلمي، فعلى سبيل المثال الجامعة السعودية الإلكترونية تملك مرافقَ ووسائلَ تعليمٍ حاسوبية متقدمة جدا، والمطلوب من الطلاب أن يتعلموا بأنفسهم ويتواصلوا مع المحاضرين عبر الوسائل الإلكترونية، ومعظم محاضري الجامعة السعودية الإلكترونية الذين التقيناهم كانوا من خريجي الجامعات الغربية المتقدمة، ولكن مع ذلك لم نجد الجامعة قد تخلَّت عن ثقافتها العربية السعودية، فلباس أفراد الجامعة لا يزال لباسهم السعودي الرسمي مع العقال والغترة، و كان التمر أفضل ما يُهَيَّأ لإكرام الضيوف، و حين أذن المؤذن توقفوا عن أعمالهم وأدوا الصلاة جماعة.

والنتيجة أن التغيرات يستحيل رفضها، وإذا لم نتعامل بتناغمٍ مع التغيرات فسيتجاوزنا الزمن، ولكن هذا لا يعني أن كل شيء يجب أن يتغير، بل لا بد أن نحافظ على القيم والتقاليد والحضارة السليمة التي تمثِّل مجتمعاتنا.

وأعظم ما يحسن أن يصل إليه الإنسان في هذا الأمر أن يميِّز بوضوح بين الثوابت والمتغيرات؛ ليسير في تقدمه بخطى واضحة وسليمة، فكل شعوب العالم تواجه التغيرات حتى السعودية)). انتهى مقال أ.د. مجيب الرحمن.

إن هذا المقال الموجز والبسيط العميق في الوقت نفسه الذي كتبه مجيب الرحمن يعطي إشارة كبيرة إلى أهمية التواصل والاحتكاك المباشر في إيصال الصورة الصحيحة والنقية عن السعودية والمجتمع السعودي، إذ يظهر في هذا المقال عمقُ الأثر الإيجابي لهذا التواصل. وتزداد هذه الأهمية في الظروف التي تتعرض فيها الثقافة السعودية والمجتمع السعودي إلى التشويه عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في مرحلة تاريخية عصيبة يمر بها العالم العربي كلُّه، ومرحلة دقيقة تمثِّل السعودية فيها قائدًا تاريخيًّا تعمل على الحفاظ على النظام والمجتمع العربي وثقافته وهويته وسط صراعات معقَّدة في منطقة الشرق الأوسط، صراعات سياسية وعسكرية، وتواجه فيه السعودية حملة تشويه إعلامي ضخمة لرسم صورة نمطية سيئة عنها في ذهن المجتمعات، أو لتشويه صورتها الحسنة.

كما أنَّ هذا التعاون الذي تبديه المؤسسات العلمية السعودية مع المؤسسات العلمية في دول العالم وعلى وجه الخصوص مع المؤسسات العلمية في الدول العربية والإسلامية التي تربطها بالمجتمع السعودي روابط لغوية وثقافية ودينية لا يكون أثره علميًّا فقط، بل إنَّ أثره يتعدى ذلك إلى أبعادٍ اتصاليةٍ عميقة يظهرُ أثرها في زيادة التلاحم والارتباط الوديّ بين مجتمعات الدول لعربية والإسلامية، فالسعودية ستبقى دائمًا قلب العالم الإسلامي، وسيكون مفرحًا أن ترى المجتمعاتُ العربيةُ والمسلمةُ المجتمعَ السعوديَّ يتقدَّم ويتطور وهو في الوقت نفسه يحافظ على ثوابته.

كما تؤكِّد لنا هذه التجربة أهميةَ أن نقدِّمَ أنفسنا للآخر كما نحن ببساطة وعفوية وبدون مبالغة ولا نكران للذات، فنحن نملك من الثروات والمقومات والثقافة والحضارة ما يكفي لأن نقدمه للآخر كما هو وكما نحن، نعرف لذواتنا حقها وقدرها ونعرف للآخر حقه وقَدْرَه، وألا نتدخل في قراءته لما يراه، بل نقدم أنفسنا كما نحن وحسب، ونترك الأفعال والمنجزات هي التي تتحدث وليس الحروف والكلمات.

نعم، إن المجتمع السعودي مجتمعٌ ككل المجتمعات له ثقافته وحضارته، وهو يعيش كبقية المجتمعات في عالمٍ متغيِّرٍ متحوِّل، وفي زمنٍ متسارعٍ، وعليه أن يتحرَّك وفق الآليات الصحيحة ليواكب التقدُّم البشري مع محافظته على قيمه الحضارية وثقافته النقية.

وفي هذا الإطار، لا شك بأنَّ العلاقات العامة في المؤسسات الحكومية والأهلية تؤدي عملاً جيدًا مع الضيوف فيما يخص المؤسسات التي تنتمي إليها، ولكن يبدو أن هذا غير كافٍ في الظرف الحالي؛ فمن المهم جدًا أن تنشأ علاقات الاتصال والتنسيق بين المؤسسات، وأن يتجاوز عمل العلاقات العامة الخدمات التي تقدمها داخل المؤسسات التي تنتمي إليها، ليصل إلى الصورة المثلى في تقديم تلك الخدمات والتنسيق مع المؤسسات الوطنية الأخرى من أجل رسم صورة أكثر اكتمالا وصدقًا وكفايةً عن المملكة العربية السعودية ومجتمعها، ليعود الضيوف الذين يصلون إلى السعودية بصورة صحيحة كونوها هم بأنفسهم من مشاهداتهم المباشرة واحتكاكهم المباشر.

* د.علي بن معيوف المعيوف

مستشار مركز البحوث والتواصل المعرفي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود

(109)

تعليقات
Loading...
Click Me