إندونيسيا اليوم
تأسس إندونيسيا اليوم في 24 ابريل عام 2014م, وبدأ بثها التجريبي في 29 ابريل 2014م, لتكون بذلك من أوائل وكالة أنباء في إندونيسيا توفر رسمياً خدمة الأخبار بالعربية

كيف نجح التسامح الديني في إندونيسيا المسلمة وخسر في الهند العلمانية؟

149

شهدت أكبر ديمقراطيتين في آسيا، الهند وإندونيسيا، فوزًا انتخابيًا جديدًا للأحزاب الحاكمة في كلا البلدين. بيد أن النقاط المشتركة الكثيرة بين الديمقراطيتين تُخفي في طياتها اختلافات على مستوياتٍ عدة، ليس أقلها التسامح الديني والصعود القومي.

يحاول هذا المقال الذي اشترك في كتابته دان سلاتر ومايا تيودور، ونشرته مجلة «فورين أفيرز»، استكشاف الأسباب في ضوء التاريخ الطويل للعملية الديمقراطية بكلا البلدين، مما يُوفِّر إمكانيةً لتصحيح الأخطاء وتَعِدُ بمستقبلٍ يشترك أبناء البلدين في كتابته.

نتائجٌ مُتعارضة

أجرت أكبر ديمقراطيتين في آسيا، وأكثرها تنوعًا، الانتخابات الوطنية في الأسابيع الأخيرة. وكانت مسألة التسامح الديني على لائحة الاقتراع في كلا البلدين. غير أن قرارات المصوّتين في كلا البلدين جاءت متعارضةً تمامًا.

أشار المقال إلى أن الانتخابات الإندونيسية نجم عنها فوز حكومة الرئيس الحالي جوكو ويدودو (المشهور باسم جوكوي)، بسبب بث خطاب التعددية. إذ بشّر جوكوي بقوميةٍ تسع الجميع وتتجاوز الإسلام، الديانة السائدة في إندونيسيا، ومن ثمّ أعادت الجماهير انتخابه بفارقٍ حاسم عن أقرب منافسيه.

أما في الهند، فقد كان النصر أيضًا من نصيب رئيس الوزراء الحالي، ناريندرا مودي، لكن شروط الفوز كانت مختلفةً إلى حدٍ كبير بحسب المقال. إذ فاز مودي، الذي يتزعم حزب «بهاراتيا جاناتا» القومي الهندوسي، بفارقٍ كبير عن طريق الترويج لرؤية حزبه التي تتمحور حول هند هندوسية من أجل الهندوس.

وقال الكاتبان إن تلك الانتخابات، مثلها مثل كل الانتخابات، لم تكن بطبيعة الحال مجرد استفتاءٍ على قضيةٍ واحدة فقط. إذ أن الفوز الذي حققه كلًا من جوكوي ومودي يرجع إلى الكاريزما الشخصية واللمسة المشتركة والسمعة التي تستند إلى تأييد التنمية، لكنه ينتمي كذلك -دون شك- إلى مواقفهما من مسائلٍ مثل التدين العام والتمييز الديني.

ومما لا يقل أهمية أن «حزب المؤتمر»، ممثل المعارضة الرئيسي في الهند والصوت التقليدي للإدماج الديني، اختار مرشحًا عنه في الانتخابات سليل العائلة السياسية الكبيرة رغم افتقاره إلى الكاريزما. في حين اختار حزب جوكوي في إندونيسيا بحكمةٍ عدم الانسياق إلى هزيمةٍ شبه محققة وراء زعيمته، التي لا تتمتع بالشعبية الكافية رغم انتمائها إلى عائلةٍ ذات جذورٍ سياسية عميقة. وبقدر ما يبدو الأمر عاديًا، فإن التسامح الديني لا ينتصر إلا في حال تمكّن أبطاله من الدفع بمرشحين أقوياء للدفاع عنه. وخلاصة الأمر أن انتصارات التسامح الديني، كما الحال في إندونيسيا، تميل إلى أن تكون هشة ومتنازعًا عليها، ومن ثمّ فقد تكون قصيرة الأجل.

ويرى الكاتبان مع ذلك أنّ ثمة عامل أثقل بإمكانه قلب الموازين: وهو المفاهيم التاريخية للأمم عن نفسها، فهي تعود إلى عقود أو قرون، وتساعد في تقرير ما إذا كانت دعوات التسامح الديني ستلقى قبولًا أم تلاقي آذانًا صمّاء.

وقد ورث كلا البلدين -الهند وإندونيسيا-، منذ لحظتي تأسيسهما المتقاربتين دولتين مستقلتين أواخر الأربعينيات، قوميات تعدديّة على مستوى الزعماء والحركات التي ناضلت من أجل الاستقلال. والأهم من ذلك هو أن دستور أيٍ من الدولتين لم يميّز الدين المهيمن ديموغرافيًّا –سواء أكان الهندوسية في الهند، أم الإسلام في إندونيسيا- على الأديان الأخرى.

وأشار المقال إلى أنه بشكل عام، كان ذلك الفهم التعددي للأمة موردًا ديمقراطيًا حاسمًا في كلا البلدين. إذ يساعد في تفسير مرونة الديمقراطية الهندية منذ أواخر الأربعينيات، والانفتاح الديمقراطي المفاجئ الذي أعقب الحكم العسكري في إندونيسيا أواخرَ التسعينيات. وتظل الديمقراطية الشاملة ذات قيمةٍ دائمة للديمقراطيين المتسامحين في أزمنة الانتقال الديمقراطي، وحين يواجهون رؤى أكثر إقصائية وتمييزية للأمة في الانتخابات.

وعلى الرغم من أن الشمولية الرسمية لا تحول دون لجوء الساسة إلى المجتمع الديني السائد، فإن العلمانية الهندية وفلسفة البانجاسيلا (القومية الإندونيسية ذات المبادئ الخمسة التي صاغها سوكارنو بوصفها مبادئًا حاكمة لدستور الدولة الإندونيسية) تضفي الشرعية عادةً على الأحزاب السياسية التعددية البارزة في البلاد وعلى خطاباتها الشاملة للجميع، بفرضها الإيمان بإله واحد ولو لم يكن إله المسلمين.

التجربة الإندونيسية

ثم طرح المقال تساؤلًا مفاده أنه إذا كان البلدان كلاهما يجتمعان على نسخةٍ من القومية تشمل الجميع، فلماذا نجح التسامح الديني في إندونيسيا فقط وخسر في الهند؟ ويقول الكاتبان إنه إذا وضعنا جانبًا العوامل المرتبطة بالحملات والخاصة بالمرشحين، فإن المرء قد يعتقد أن الأصوات التعددية تملك فرصةً للازدهار في الهند العلمانية رسميًّا، مقارنةً بإندونيسيا التي تنصّ عقيدتها القومية المؤسِّسة -حرفيًا- على ما يجعل عدم الاعتقاد في وجود إله أمرًا غير شرعي.

فضلًا عن أن ارتكاز إندونيسيا -في تعريفها لهويتها القومية- على الدين وإحلالها الدائم المسلمين الأتقياء مكانةً محورية في المجتمع القومي، قد يعطي انطباعًا بأنها أكثر قابلية من الهند للإصابة بعدوى عدم التسامح الديني في سياساتها الانتخابية.

غير أنه في الممارسة العملية، وفقًا للمقال، يُمكن لنوعية الدين في القومية الإندونيسية أن تكون لقاحًا مضادًا للتعصب بقدر كونها الفيروس الذي ينشره. وذلك لأن هوية إندونيسيا الوطنية تستوعب الإسلام ولا تعطيه الأولوية، فالسياسة فيها لا تقوم على انقسامٍ أساسي بين مسلمين وأقلياتٍ غير مسلمة. بل يتنافس فيها، بدلًا من ذلك، مسلمون قوميون متحالفون مع غير المسلمين من جانب، في مواجهة مسلمين أقل تسامحًا على الجانب الآخر. ومن ثمّ، يمكن للمرء بسهولةٍ أن يكون مسلمًا متدينًّا وقوميًا تعدديًّا في إندونيسيا.

وقال الكاتبان إن انتخابات 2019 جاءت مطابقةً لهذا النمط. إذ وقّر الاستيعاب القومي الإندونيسي للدين تاريخيًّا إمكانية التحالف بين حزب جوكوي التعدديّ مع «جمعية نهضة العلماء»، أكبر منظمة إسلامية في البلاد. ولكي يقطع الشك، تعمّد جوكوي اختيار قائدٍ محافظ من «جمعية نهضة العلماء» زميلًا له في الترشح، مما أثار الامتعاض بين أنصار جوكوي الأكثر ليبرالية.

لكن تلك الشخصية التي اختارها لمنصب نائب الرئيس، ساعدته في تأمين أغلبيةٍ ساحقة داخل المناطق ذات الكثافة السكانية العالية في جاوة الوسطى والشرقية، حيث تتمتع «جمعية نهضة العلماء» بأعمق جذورها. ومن اللافت للنظر، أن جوكوي فاز بالانتخابات الوطنية بفارق نحو 17 مليون صوت، في الوقت الذي حصل فيه على تأييد هاتين المنطقتين المهمتين بما يقارب الـ20 مليون صوت.

إن التحالف بين حزب جوكوي و«جمعية نهضة العلماء»، والتزامهما المشترك بقوميةٍ إسلامية وتعدُّدية في آنٍ واحد، قد حقّقا النصر لجوكوي أكثر من أي شيء آخر.

التسامح الديني والقومية الهندوسية

ولم يكن الوضع كذلك في الهند، وفقًا للمقال. فلطالما كان للقومية الهندوسية صوتٌ مؤثر في السياسة الهندية، غير أن دستور ما بعد الاستقلال شدّد على الحقوق المتساوية لجميع الأقليات. وقد قاد تعزيز هذا الهيكل الدستوري، تحت القيادة الشامخة لأول رئيس وزراء للهند جواهر لال نهرو، إلى إنشاء منظومات قانونية منفصلة للأديان وسياسات إقرار للطوائف الاجتماعية الهندية، مما رسم ملامح السياسة الهندية لعقود من الزمن.

وجادل الكاتبان بأنه مع مرور الوقت، أدى ذلك الخط البارز بين دين الأغلبية وبين السمة العامة للدولة إلى اندماج قوى القومية الدينية في جانبٍ واحد من الانقسام السياسي -داخل حزب «بهاراتيا جاناتا» المحافظ اجتماعيًّا.

وحدث ذلك التحول تدريجيًّا. إذ وجد عالما السياسة براديب تشيبير وراهول فيرما أنّ القوميين الهندوس المتعصبين، الذين أرادوا تبني الدولة للوطنية العدوانية (الجينغوية) وسياسات تفضيل الأغلبية على حساب الأقليات -خاصةً المسلمين-، صوّتوا لصالح حزب «بهاراتيا جاناتا» بفارق كبير قبل خمسة عشر عامًا. في حين أن هؤلاء الذين أرادوا ببساطةٍ حماية القومية الهندوسية صوّتوا، بنسب متساوية، لصالح حزب «بهاراتيا جاناتا» و«حزب المؤتمر» الهندي.

بيد أن حزب «بهاراتيا جاناتا» نجح في الترويج لفكرة أن الدولة الهندية ينبغي أن تعمل بهمة على إعطاء الأولوية للثقافة الهندوسية، وأن العلمانية كانت بشكلٍ فعال سياسةً لاسترضاء الأقلية. ومن ثمّ، فإنه إبان عام 2014، انشق الهندوس المتديّنون بأعدادٍ كبيرة للانضمام إلى حزب «بهاراتيا جاناتا».

وعلى خلاف إندونيسيا، أمسى الجمع بين التمسك القوي بالهندوسية والإيمان بالقومية التعددية أمرًا عسيرًا في الهند اليوم. إذ أن قدرة مودي على الفوز بدعم الناخبين من الشباب الطموح الذي جذبته حماسه ونشاطه، والمصوّتين من الهندوس المتدينين الداعمين لهيمنة نظام الأغلبية الثقافية، سلّمته مفاتيح الفوز بالانتخابات.

واختتم الكاتبان المقال بالقول إن الهند وإندونيسيا تملكان الأسس القائمة للتعددية القادرة على هزيمة التعصب. لكن الأمر منوطٌ بالأحزاب التعددية والساسة لتحقيق أقصى استفادةٍ منها. وعلى الرغم من تراث القومية الشاملة للجميع في إندونيسيا؛ تزداد شعبية الاتجاه السلطويّ والمتعصب من الإسلام السياسي. وليس هناك ما يضمن أن لا ينقلب ميراث التعددية داخل البلاد في المستقبل القريب.

وربما تكون القومية الهندوسية قد ربحت في الهند هذه المرة، لكن التعددية بإمكانها أن تعود للسيادة في حال تخلّت أحزاب المعارضة عن اختيار ساستها على أساس انتمائهم إلى سلالاتٍ سياسية قديمة، وعمدت إلى تأييد ساسةٍ أكثر جاذبية وقادرين على استغلال التناقضات الأيديولوجية داخل قاعدة دعم الحزب الحالية.

وقد تشهد المرة القادمة التي تجرى فيها الانتخابات بالهند وإندونيسيا انقلاب الآية، وقد تنعكس القصة التي نرويها عن البلدين حينها. بيد أنه مما لا شك فيه أن الكفاح من أجل الدفاع عن التعددية ضد منافسيها في أكبر ديمقراطيات آسيا وأكثرها تنوعًا سيستمر.

//إندونيسيا اليوم | متابعات//

(75)

تعليقات
Loading...
Click Me