indonesiaalyoum.com
إندونيسيا اليوم

إندونيسيا والقران

من سلسلة إندونيسيا بعيون عربية_ المقال الثامن

0 37
ملخص سريع
  • يروي الدكتور نضال كمال مشاهد من تجربته في إندونيسيا، حيث يمتد حضور القرآن إلى الحياة اليومية وتعليم الأبناء وأحلام الآباء في إرسالهم إلى بلاد العرب لدراسة القرآن والعربية.
  • يعرض المقال جهود طلاب إندونيسيين في تعلم العربية وحفظ المتون ودراسة كتب التراث، مع الإقرار بأن إتقان الحفظ والتلاوة لا يعني بالضرورة فهم المعاني أو امتلاك ملكة لغوية راسخة.
  • تدفع تجربة التدريس الكاتب إلى إعادة النظر في قيمة لغته، والتأمل في الفرق بين من ينشأ والعربية حاضرة في حياته، ومن يبذل سنوات لتعلمها حبًا في القرآن.

بقلم الدكتور نضال كمال

حين تعيش سنوات في إندونيسيا، لا تحتاج إلى كثير من الوقت لتدرك أن القرآن هنا ليس كتابًا يُقرأ في المسجد فحسب.

فحضوره أوسع من ذلك بكثير. تراه في حياة الناس، وفي طريقة تعليم أبنائهم ، وفي الأحلام التي يحملها بعض الآباء لأولادهم، حتى لو كانوا يعيشون في قرية بعيدة على حافة الكرة الأرضية .

وإندونيسيا، التي تضم أكبر عدد من المسلمين في العالم، بلد واسع إلى حد يصعب معه الحديث عن أهله بصيغة واحدة. آلاف الجزر، وقوميات ولهجات وثقافات مختلفة، ومدن شديدة الحداثة، وقرى لا تزال الحياة فيها شديدة البساطة.

ومع هذا التنوع كله، يبقى للقرآن حضور يصعب أن تخطئه العين.

قد تذهب بعيدًا عن جاكرتا والمدن الكبرى، وتصل إلى منطقة يعمل أهلها في الزراعة أو في أعمال شاقة لا تدر عليهم إلا دخلًا يسيرًا، ثم تكتشف أن حلم أحد هؤلاء ليس أن يصبح ابنه ثريًا أو موظفًا كبيرًا، بل أن يحفظ القرآن، ويتعلم العربية، ثم يذهب يومًا إلى الأزهر أو إلى جامعة إسلامية في بلد عربي.

وقد رأيت من ذلك ما لا أنساه.

فقد جاءني مرة رجل من هؤلاء البسطاء. يعمل ويكد من أجل رزقه صباح مساء .

يقول لي وعيناه تذرفان : أريد منحة لابني في سوريا ليتعلم القران ويشفع لي يوم القيامة

بقي هذا المشهد في ذاكرتي.

رجل بعيد آلاف الكيلومترات عن بلاد العرب، يعمل عملًا شاقًا، وربما ينام في كثير من الأيام وقد بلغ منه الجوع ، ثم تكون واحدة من أكبر أمنياته أن يرسل ابنه إلى بلاد لا يعرفها ولم يسمع بها إلا من خلال الإسلام.

كنت أنظر إليه وأقول في نفسي: أي حب هذا؟

وأي تعلق يجعل أبًا فقيرًا يبكي لأنه يريد لابنه أن يتعلم لغة ليست لغته، في بلاد بعيدة لم يولد فيها ولم يعش فيها؟

ومنذ ما يقارب أربع سنوات، بين ماليزيا أولًا ثم إندونيسيا، وأنا أدرّس القرآن الكريم واللغة العربية والعلوم الإسلامية.

ومع مرور الوقت بدأت أشعر بشيء لم أتوقعه حين بدأت التدريس.

بدأت أستحي أحيانًا من نفسي بصفتي عربيًا.

ولا اريد جلد الذات، لكنك حين ترى مقدار الجهد الذي يبذله إنسان غير عربي من أجل لغتك، تبدأ في النظر إلى أشياء اعتدت عليها بعين أخرى.

نحن ولدنا والعربية حولنا.

نسمعها من أمهاتنا قبل أن نعرف اسمها، ونتعلم حروفها في المدرسة، ونفهم قدرًا كبيرًا من القرآن قبل أن نفتح كتاب تفسير؛ لأن أصل اللغة موجود في آذاننا وفي ذاكرتنا منذ الطفولة.

أما الإندونيسي فالأمر مختلف تمامًا.

نحن العرب قد نظن أحيانًا أن العربية سهلة لأننا وُلدنا داخلها. لكنها بالنسبة إلى غير العربي لغة ليست سهلة أبدًا.

فيها نظام للجملة يختلف عن لغته، وفيها الإعراب، والصرف، والتذكير والتأنيث، والمفرد والمثنى والجمع، وأبواب من الاشتقاق، وتراكيب كثيرة، وقد تتغير دلالة الكلمة الواحدة بحسب السياق، ثم يأتي بعد ذلك كله المستوى الأعلى من العربية: لغة القرآن والحديث وكتب التراث.

حتى بعض الأصوات العربية نفسها ليست سهلة على اللسان الإندونيسي.

ومع ذلك لم يمنعهم هذا.

بل ربما كان صعوبة الطريق نفسها هي التي جعلتني أحترم إصرارهم أكثر.

رأيت طلابًا يقضون سنوات في تعلم هذه اللغة. يحفظون المتون، ويدرسون النحو والصرف، وفي المعاهد الإسلامية الداخلية المعروفة هنا باسم Pesantren، ما زالت عناية واسعة قائمة بكتب التراث التي يسمونها عادة Kitab Kuning، أي الكتب الصفراء.

وأنا لا أتحدث هنا عن ظاهرة قرأت عنها فقط.

لقد درّست هؤلاء الطلاب.

ورأيت منهم أعدادًا كبيرة يحفظون ألفية ابن مالك عن ظهر قلب. أكثر من ألف بيت في النحو والصرف يحفظها طالب إندونيسي لم يسمع أبوه وأمه العربية في بيتهم، ثم يجلس بعد ذلك يفك ألفاظها ويفهم أبوابها ويحاول أن يدخل من خلالها إلى عالم اللغة العربية

قد لا يفهم كل شيء.

وقد يحفظ أحيانًا أكثر مما يفهم.

وهذه أيضًا حقيقة.

فالعلاقة بالقرآن والعربية هنا ليست صورة مثالية بلا نقص؛ هناك من يجيد التلاوة ولا يفهم كثيرًا من المعنى، ومن يحفظ المتون ويحتاج بعد ذلك إلى سنوات حتى تتحول محفوظاته إلى ملكة حقيقية في اللغة.

لكن السؤال الذي أسأله لنفسي دائمًا: كم بذل هذا الإنسان حتى وصل إلى هذه المرحلة؟

هو لم يرث العربية.

ذهب إليها بنفسه.

ومن أغرب الطلاب الذين مروا بي طالب كان القرآن قد دخل في لغته اليومية نفسها.

لم يكن الأمر أنه يحفظ القرآن فحسب، وإنما كان يستدعي عباراته في الكلام.

تقول له مثلًا: ادخل إلى هذا المكان، فيجيبك مبتسمًا:

(ادخلوها بسلام.)

ويأتي موقف آخر، فيستحضر جزءًا من آية. وتسأله عن أمر، فيجيبك أحيانًا بلفظ قرآني أو بتعبير مأخوذ من القرآن.

وأنا أسمعه كنت أتذكر ما قرأناه قديمًا عن أناس كثر استشهادهم بالقرآن حتى أصبحت عباراته جزءًا من كلامهم.

ثم أقول في نفسي: أنا لا أقرأ هذه الحكاية الآن في كتاب عن العصر الأموي أو العباسي.

أنا أمام طالب إندونيسي.

في أقصى آسيا.

والأغرب أن هؤلاء، مع ما يبذلونه في تعلم العربية، لا يزال لكثير منهم احترام خاص للعربي نفسه؛ لأنه في نظرهم ابن اللغة التي نزل بها القرآن.

وقد زرت مدنًا كثيرة في إندونيسيا، ومن الأشياء التي تكرر وقوعها معي أن ألتقي شخصًا يتحدث شيئًا من العربية.

أبدأ معه أحيانًا بالإندونيسية، فيصر على العربية.

وكأنه وجدني فرصة تدريب مجانية وقعت في طريقه، فلا يريد أن يفرط فيها!

تراه يفتش في ذاكرته عن الكلمات، ويجمع الجملة على مهل، وربما أخطأ ثم صحح، لكنه سعيد.

سعيد لأنه يتحدث العربية مع عربي.

وفي جامعات ومعاهد ومؤسسات كثيرة تجد من يستطيع أن يحدثك بهذه اللغة، بدرجات متفاوتة طبعًا. وبعضهم يفتخر بأنه تعلمها، ويشعر أن تقدمه فيها ليس مجرد اكتساب مهارة لغوية، بل اقتراب من شيء يحبه.

وهنا تكمن المسألة.

العربية بالنسبة إلى قطاع واسع من هؤلاء ليست لغة أجنبية كبقية اللغات.

خلفها القرآن.

تابع الأخبار والمقالات الأخرى على قناة واتساب
احصل على آخر الأخبار والمحتويات فور نشرها
انضم لقناة واتساب WhatsApp
شارك هذه المعلومات المفيدة مع أصدقائك!

يتعلم النحو لأنه يريد أن يفهم القرآن. ويحفظ المفردات لأنه يريد أن يقرأ كتب الإسلام. ويتدرب على النطق لأنه يريد أن يقرأ الفاتحة قراءة صحيحة.

ولهذا أفهم أحيانًا لماذا يحتملون مشقة لا يحتملها بعض أبنائها.

وربما كانت المفارقة المؤلمة أن تجد في المقابل من أبناء العرب من يزهد في لغته نفسها.

ليس المقصود أن نتوقف عن تعلم الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرها. العالم اليوم يحتاج إلى اللغات، وأبناؤنا يحتاجون إليها، ولا تعارض بين أن يتقن الإنسان لغة عالمية وأن يعرف لغته.

لكن المشكلة تبدأ حين تصبح كل اللغات مشروعًا يستحق الوقت والمال، إلا العربية.

ترى الأب منذ ولادة طفله يبحث له عن أفضل مدرسة أجنبية ويحرص أن يتكلم الإنجليزية  بطلاقة، وهذا حسن، ثم قد يكبر الابن ولا يستطيع أن يقرأ صفحة عربية فصيحة قراءة مستقيمة، ولا أن يفهم آية من القرآن دون أن تكون بينه وبينها مسافات.

وفي الوقت نفسه، في قرية إندونيسية بعيدة، رجل فقير يبكي أمامي لأنه يريد أن يرسل ابنه آلاف الكيلومترات حتى يتعلم هذه اللغة.

كيف لا يهزنا  المشهد؟

وكيف لا تسأل نفسك بعض الأسئلة التي ربما لا تكون مريحة؟

لقد التقيت في حياتي الأكاديمية ببعض المتخصصين في العلوم العربية والإسلامية من أهل العربية أنفسهم، وبعضهم يحمل درجات علمية عالية، ومع ذلك يجد مشقة إذا أراد أن يتحدث بالفصحى دقائق معدودة.

ثم أجد شابًا إندونيسيًا لم تطأ قدماه بلدًا عربيًا، ومع ذلك يجاهد حتى يعبر عما يريد بالفصحى، وربما استحضر أثناء حديثه عبارة من القرآن أو بيتًا من ألفية ابن مالك.

لا أقول ذلك للتقليل من أحد.

لكنه مشهد يدفع إلى التفكير.

في البرامج الرمضانية، وفي المساجد والمعاهد، كنت أسمع قراء إندونيسيين فأتعجب من عنايتهم بأحكام التجويد ومخارج الحروف، ومن جمال أصوات بعضهم.

وقد حرص كثير منهم على تعلم القرآن حتى أتقن التلاوة إتقانًا يفوق أحيانًا بعض العرب.

وهنا تظهر أمامك مفارقة لطيفة وقاسية في الوقت نفسه.

العربي يملك المفتاح من أول يوم.

لغته هي لغة القرآن.

لكن امتلاك المفتاح لا يعني دائمًا أن صاحبه فتح الباب.

والإندونيسي قد يقف بعيدًا عن الباب في البداية، لأنه يحتاج أولًا إلى أن يتعلم الحروف والأصوات والكلمات والقواعد، لكنه يمشي.

خطوة بعد خطوة.

وقد يمشي سنوات.

لهذا لا أحب أن أقارن فأقول: هؤلاء أفضل وهؤلاء أسوأ.

لكنني أريد التذكير بنعم الله علينا

حين ترى شخصًا يتعب سنوات ليحصل على شيء وُلدت أنت وهو في بيتك، تعرف قيمته بطريقة مختلفة.

وأحيانًا وأنا أنظر إلى هؤلاء الطلاب، لا أشعر أنني أنا المعلم وحدي.

هم أيضًا يعلمونني.

يعلمونني قيمة لغة اعتدت عليها حتى كدت لا أشعر بقيمتها. ويذكرونني بأن الإنسان قد يعيش قريبًا جدًا من النعمة حتى لا يراها، بينما يراها من جاء إليها من بعيد.

وهنا أتذكر قول الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم:

﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾.

وهجر القرآن ليس صورة واحدة.

قد يهجره الإنسان فلا يقرأه، وقد يقرأه ولا يحاول أن يفهمه، وقد يعيش عمره كله وهو يسمع لغته ثم لا يجد في نفسه رغبة في الاقتراب منها.

وحين أرى ذلك الرجل الإندونيسي الفقير يبكي من أجل أن يتعلم ابنه القرآن والعربية، أسأل نفسي: أين الذين هجروا ما يطلبه هذا الرجل بدموعه؟

وأين قومي الذين أصبح تعليم أبنائهم كل لغة مشروعًا يستحق التضحية، ثم أصبحت العربية عند بعضهم مادة مدرسية ثقيلة يتمنون انتهاء حصتها؟

 

ان ما رأيته خلال هذه السنوات يكفيني لأقول إن هذه الأمة بذلت جهدًا كبيرًا كي يبقى بينها القرآن، وأن أجيالًا منها حملت لغة ليست لغتها من أجل كتاب تحبه.

وربما هذه إحدى أجمل الصور التي رأيتها هنا.

كتاب نزل قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا في جزيرة العرب، ثم عبر البحار ووصل إلى آلاف الجزر، فوجد هناك أناسًا لم يفهموا لغته أول الأمر.

فماذا فعلوا؟

تعلموا لغته.

أنشؤوا لها المدارس والمعاهد. حفظوا قواعدها. وقرأوا كتبها. وأرسلوا أبناءهم إلى مكة والمدينة والقاهرة ودمشق وبغداد والرباط وغيرها. وأمضى بعضهم عمرًا كاملًا يحاول أن يقترب من معاني الكتاب الذي أحب.

وحين ترى هذا كله، يصعب ألا تمر بقلبك الآية:

﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾.

لا أضع الآية حكمًا على شعب ولا نبوءة على أمة.

لكنها تجعلني أخاف على النعمة إذا لم نعرف قدرها.

فنحن العرب لا نحتاج أن نذهب آلاف الكيلومترات لنبحث عن لغة القرآن.

هي معنا.

ولا نحتاج أن نقضي سنوات حتى نفهم معنى كثير من كلماته الأولى.

لقد أعطانا الله مفتاحًا عظيمًا.

فليست القضية إذن أن نفتخر بأن القرآن عربي، وإنما أن نسأل أنفسنا ماذا فعلنا بهذه العربية التي شرفها الله بأن كانت لغة كتابه، ولسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم حملها بعد ذلك

جئت إلى هذه البلاد أعلّم طلابها شيئًا من العربية.

وبعد سنوات بدأت أشعر أن بعضهم، من غير أن يقصد، كان يعلمني كيف أنظر إليها من جديد.

ربما كانت العربية عندي لغة أعرفها.

أما عند بعضهم، فهي لغة تعب من أجلها.

وهناك فرق كبير بين الشيء الذي يولد معك، والشيء الذي تسافر إليه بقلبك.


تنويه مهم
المقالات المنشورة في باب الرأي تعبِّر عن وجهة نظر كاتبها فقط،
ولا تُمثِّل بالضرورة الموقف الرسمي لموقع «إندونيسيا اليوم».
تابع آخر الأخبار والمقالات على قناتنا في تيليجرام
اشترك الآن ليصلك كل جديد وتحليلات حصرية مباشرة على هاتفك من قناة اندونيسيا اليوم عبر تيليجرام.



انضم إلى قناتنا على تيليجرام

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.