indonesiaalyoum.com
إندونيسيا اليوم

استراتيجية إندونيسيا في إدارة الصراع الجيوسياسي بالشرق الأوسط

0 51
ملخص سريع
  • تتبنى إندونيسيا دبلوماسية نشطة لتحويل الشرق الأوسط من منطقة صراع إلى فضاء للتنمية، مع تركيز خاص على الأمن الغذائي والاستقرار الإقليمي.
  • يهدد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل استقرار الطاقة والغذاء في آسيا، ما يدفع إندونيسيا لتوسيع استثماراتها في الفوسفات والأسمدة.
  • تحوّلت القضية الفلسطينية إلى قضية إنسانية عالمية، وتستثمر إندونيسيا تلاحم موقفها الشعبي والرسمي لتعزيز الضغط الدولي من أجل سلام عادل ودائم.

إعداد: محمد أنس

جاكرتا، إندونيسيا اليوم – تناولت مقابلة حصرية أجرتها قناة “تلفزيون وان” مع نائب وزير الخارجية الإندونيسي، أنيس متّى، يوم الجمعة (٣٠ مايو/أيار ٢٠٢٦)، الموقفَ الاستراتيجي لإندونيسيا في ظل تصاعد الصراعات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. وأوضح أنيس متّى أنّ هناك توتراتٍ حادّة بين الفصائل الداعمة للحرب وتلك المؤيدة للسلام في كل دولة، مشددًا على أنّ إسرائيل تمثّل العقبة الرئيسة أمام مسار المفاوضات الإقليمية.

وسلط الحوار الضوء على التحول في سردية النضال الفلسطيني، حيث انتقلت القضية من إطارها السياسي التقليدي إلى قضية إنسانية عالمية تحظى بدعم واسع من المجتمع الدولي، تجسده مبادرات إنسانية مثل “أسطول التضامن العالمي”. كما نبّه متّى إلى التداعيات الاقتصادية الخطيرة للصراع، ولا سيما أزمتي الطاقة والغذاء، بوصفهما مصدر قلق بالغ لاستقرار الدول الآسيوية، ومنها إندونيسيا.

وأكدت الحكومة الإندونيسية التزامها بمواصلة الدفع نحو السلام عبر المحافل متعددة الأطراف، مع ضمان حماية كاملة لمواطنيها المشاركين في المهام الإنسانية. وتتركز الدبلوماسية الإندونيسية، في خلاصة هذا التصور، على تحويل مناطق الصراع إلى مناطق تنمية مستقرة، خدمةً للمصلحة الوطنية وتحقيقًا للعدالة العالمية.

١. السياق الاستراتيجي: ظاهرة “اللاسلم واللاحرب” في الشرق الأوسط

تشهد الديناميكيات الجيوسياسية في الشرق الأوسط حاليًا حالة من اللاسلم واللاحرب. فالتصعيد العسكري الشامل مكبوح إلى حد كبير، في حين يبقى تحقيق سلام جوهري بعيد المنال. ومن منظور استراتيجي، تمر المنطقة بمرحلة صياغة “مذكرة تفاهم مبدئية”، وليست بعدُ في طور المفاوضات الفنية الكاملة. ولا يزال الفاعلون الرئيسيون – الولايات المتحدة وإيران ودول الخليج – يتفاوضون على الشروط الأولية للجلوس إلى طاولة حوار شاملة، بينما تراقب إندونيسيا هذا المشهد بحذر شديد، مع تقديرٍ لفرص النجاح لا تتجاوز حدود ٥٠٪.

٢. تحليل التكيف الاستراتيجي: استعارة “الدوريان” و”الكيدوندونغ”

تُعدّ الأزمة الإيرانية أكثر تعقيدًا بكثير مقارنة بأزمات إقليمية أخرى مثل فنزويلا. ويمكن تشبيه الفارق بين الحالتين باستعارة “الدوريان مقابل الكيدوندونغ”. فإذا كانت أزمة فنزويلا تبدو حادّة من الخارج لكنها قابلة للاحتواء السريع، كفاكهة الدوريان ذات اللب الطري، فإن إيران تشبه فاكهة “الكيدوندونغ” التي تبدو ملساء من الخارج لكنها تخفي في داخلها أشواكًا حادّة تجعل أي محاولة لـ”ابتلاعها” عسكريًا مغامرة مكلفة ومعقدة للغاية.

وقد أثبتت محاولات شلّ قدرات النظام الإيراني خلال ٤٨ ساعة فشلها الذريع، ما أتاح لطهران تموضعًا استراتيجيًا جديدًا يعزز من موقفها التفاوضي بفضل قدرتها على الصمود أمام ضغوط القوى العظمى. هذا الإخفاق العسكري أجبر جميع الأطراف على إجراء تعديلات استراتيجية عميقة في حساباتها.

٣. الديناميكيات الداخلية للفاعلين

تتفاقم حالة عدم اليقين بفعل صراع داخلي بين تيارين رئيسيين في كل دولة معنية بالصراع:

  • تيار المتشددين (المؤيد للحرب): في الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل تحديدًا، يرى هذا التيار أن التصعيد العسكري هو الطريق للحفاظ على الهيبة وقوة الردع. وتمثل إسرائيل، تحت قيادة بنيامين نتنياهو، عامل التشويش الرئيس؛ لأن إحلال السلام الشامل في المنطقة سيُترجَم إلى انتصار استراتيجي لإيران وعزلة سياسية لنتنياهو.

  • تيار المعتدلين (المؤيد للسلام): يدرك هذا التيار أن الفشل العسكري لا بد أن ينتهي بمفاوضات تمنح أساسًا قويًا لادعاء “انتصار أخلاقي” دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

ويخلق هذا الصراع الداخلي عقبات أمام خطوط الإمداد العالمية، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى تعميق حالة عدم اليقين الاقتصادي خارج منطقة الشرق الأوسط.

٤. الخريطة الجيوسياسية العالمية: القارة الآمنة مقابل قلب الصراع

من منظور الجغرافيا الأمنية، يبرز انقسام واضح بين الاستقرار النسبي في القارة الأمريكية والهشاشة البنيوية في “القارات الثلاث القديمة” (آسيا وإفريقيا وأوروبا)، مع اعتبار الشرق الأوسط القلب النابض لهذه القارات.

في القارة الأمريكية، تتمتع دول مثل الولايات المتحدة وكندا وفنزويلا باكتفاء نسبي في مجال الطاقة، كما تُعد الولايات المتحدة والبرازيل من أكبر مصدّري الغذاء عالميًا. وتستند العقيدة الأمنية هناك إلى مبدأ مونرو الذي يعرّف القارة كمنطقة آمنة ومحميّة. في المقابل، تعتمد القارات الثلاث القديمة اعتمادًا كبيرًا على الإمدادات الآتية من الشرق الأوسط، سواء في الطاقة أو في الأسمدة والمواد الأولية، ما يجعلها مركزًا للصناعة العالمية ولكن في موقع هشّ أمام أي اضطراب في المنطقة.

أخطر ما يهدد الاستقرار لا يتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة فحسب، بل في احتمال شلل حركة النقل العالمية في نقاط الاختناق الرئيسة مثل مضيق هرمز ومضيق باب المندب في البحر الأحمر. ففرض حصار على هذه الممرات يوقف سلاسل التجارة التي تربط أوروبا وإفريقيا وآسيا، ويمثل تهديدًا وجوديًا للدول الصناعية الآسيوية. إن اعتماد آسيا على استقرار هذه الممرات يحوّلها إلى الضحية الكبرى لأي تصعيد عسكري في الشرق الأوسط.

٥. الأضرار الجانبية على آسيا: من أزمة الطاقة إلى الأمن الغذائي

تابع الأخبار والمقالات الأخرى على قناة واتساب
احصل على آخر الأخبار والمحتويات فور نشرها
انضم لقناة واتساب WhatsApp
شارك هذه المعلومات المفيدة مع أصدقائك!

تتحمل آسيا العبء الأكبر الناجم عن انعدام الاستقرار في الشرق الأوسط. فمع وجود نحو سبعة مليارات نسمة في القارات الثلاث القديمة، ينعكس أي اضطراب في الممرات البحرية مباشرة على الأمن الغذائي واستمرارية الإنتاج الصناعي.

وترصد إندونيسيا ثلاثة تهديدات رئيسة تهدد الدول الآسيوية ذات الكثافة السكانية العالية مثل الصين والهند ودول جنوب شرق آسيا:

١. تذبذب القطاع الصناعي: يؤدي ارتفاع أسعار النفط في السوق الفورية، مضافًا إليه “علاوة الندرة” بنسبة تتراوح بين ١٠ و٢٠٪، إلى جعل تكاليف الإنتاج الصناعي في آسيا أقل تنافسية.
٢. خطر المجاعة جراء أزمة الأسمدة: يُعد الشرق الأوسط مصدرًا رئيسًا للفوسفات، وفي حال تفاقم الصراع، ستتوقف إمدادات الأسمدة، ما ينذر بأزمة غذاء عالمية واسعة.
٣. عقبات في أنظمة الدفع: تُلحق العقوبات الدولية أضرارًا جسيمة بأنظمة الدفع، وتُقيّد قدرة الدول الآسيوية على الحصول على مصادر بديلة للطاقة والغذاء، مثل روسيا ودول أخرى.

٦. استراتيجية البقاء الإندونيسية

تُوظّف إندونيسيا الدبلوماسية الاقتصادية الاستباقية كأداة مركزية لضمان بقاء الأمة وصمودها. وتضع الحكومة الأمن الغذائي في صدارة أولوياتها، عبر تنويع الاستثمارات في قطاع الأسمدة خارج البلاد. وفي هذا الإطار، تعمل جاكرتا على تعبئة التعاون الاستثماري في الفوسفات والأسمدة مع الأردن والمغرب والجزائر ولاوس، لضمان قدرة داخلية مستدامة على توفير الغذاء.

ويختصر الشعار الحاكم لهذه الدبلوماسية في عبارة واضحة: “أنتم تخوضون الحرب، ونحن من ندفع الثمن”، ما يجعل السلام خيارًا حتميًا غير قابل للمساومة في معادلة المصلحة الوطنية الإندونيسية.

٧. البنية الدبلوماسية الإندونيسية: تعظيم المسارات الثنائية ومتعددة الأطراف

تتمثل المهمة الرئيسة للدبلوماسية الإندونيسية في تحويل الشرق الأوسط من “منطقة صراع” إلى “منطقة تنمية”. وتدرك جاكرتا أن غياب الاستقرار يعني فقدان القدرة التنافسية للصناعة الوطنية وتعذر تحقيق الأهداف التصديرية.

وتستثمر إندونيسيا منظومتها متعددة الأطراف عبر منظمة التعاون الإسلامي، ومجموعة بريكس، والأمم المتحدة. وتكمن فرادة موقفها في احتفاظها بعلاقات متوازنة مع جميع الأطراف، بما فيها إيران ودول الخليج، التي تُعَد شركاء فاعلين في هذه المحافل الاستراتيجية. وتستخدم جاكرتا هذه المنصات لممارسة ضغوط أخلاقية وسياسية بهدف كسر جمود المفاوضات وإطلاق مسار سياسي أكثر شمولًا.

٨. تطور السردية الفلسطينية: من صراع عرقي إلى نضال إنساني

شهدت القضية الفلسطينية تحولات عميقة على مدى سبعة عقود. فقد بدأت كصراع عرقي عربي – إسرائيلي في الخمسينيات، ثم تطورت في التسعينيات إلى قضية تخص العالم الإسلامي بأسره، قبل أن تبلغ ذروتها اليوم كمعركة بين الإنسانية ومناهضيها.

ويمثل “أسطول التضامن العالمي” نموذجًا بارزًا لحراك المجتمع المدني الدولي؛ إذ أثبت أن فلسطين ليست مجرد قضية حدود، بل قضية عدالة عالمية. وأسهمت الانتهاكات التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بحق المتطوعين الدوليين – بمن فيهم تسعة مواطنين إندونيسيين تعرضوا للاعتقال والتعذيب – في تقويض ما تبقى من الأساس الأخلاقي الذي تستند إليه إسرائيل، وعزّزت الركيزة الأخلاقية لاستقلال فلسطين.

٩. تضافر الجهود بين الحكومة والشعب

في إندونيسيا، تتلاقى السياسة الخارجية الرسمية مع الحراك الاجتماعي الشعبي في نسق واحد. فالدعم السياسي الذي تبديه الحكومة في المحافل الدولية يتكامل مع المساعدات الإنسانية الواسعة التي تقدمها المنظمات غير الحكومية، ما يخلق قوة دفع دبلوماسية يصعب على المجتمع الدولي تجاهلها عند مناقشة مستقبل القضية الفلسطينية.

١٠. الرؤى المستقبلية والتفاؤل العقلاني

سيُصاغ مستقبل الشرق الأوسط بناءً على التحول في الرؤى الاستراتيجية لدول المنطقة. وقد تبلور وعي جماعي لدى عدد من الدول العربية بأن التهديد الحقيقي لأمنها القومي لا ينبع من إيران بقدر ما ينبع من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سيادة دول الجوار.

وفي الوقت نفسه، تكشف الديناميكيات الجديدة عن تصاعد الوزن الاقتصادي لدول الخليج، مثل السعودية وقطر والإمارات، داخل الولايات المتحدة، حيث بدأ الثقل الاستثماري لهذه الدول يوازن النفوذ السياسي التقليدي لإسرائيل في واشنطن. ومع هذا التحول، بدأ عامل “التشتيت الاستراتيجي” الذي طالما استخدمته إسرائيل يفقد كثيرًا من فعاليته أمام المصالح الاقتصادية الأمريكية في منطقة الخليج.

وتبقى إندونيسيا ملتزمة بقناعة راسخة مفادها أن السلام شرط أساسي للازدهار الاقتصادي. وستواصل جاكرتا مساعيها للمساهمة في تشكيل منصة سياسية جديدة وشاملة في الشرق الأوسط، تمهيدًا لتحول المنطقة إلى مركز نمو عالمي جديد. وفي ضوء ذلك، يسود “تفاؤل عقلاني” بأن استقلال فلسطين وتحقيق الاستقرار الإقليمي باتا أقرب من أي وقت مضى، وأن انتصار السردية الإنسانية آخذ في الترسخ في السياسات الدولية.

قاموس إندونيسيا اليوم
العربية الإندونيسية الإنجليزية
مصطلحات أساسية في الخبر
التحولات الجيوسياسية Pergeseran geopolitik Geopolitical Shifts
منطقة الصراع Zona konflik Conflict Zone
الأمن الغذائي Ketahanan pangan Food Security
الدبلوماسية متعددة الأطراف Diplomasi multilateral Multilateral Diplomacy
نقاط الاختناق البحرية Titik sumbat (Choke points) Choke Points
سلاسل الإمداد اللوجستية Rantai pasok logistik Logistics Supply Chains
التكيف الاستراتيجي Penyesuaian strategis Strategic Adjustment
الإنسانية العالمية Kemanusiaan global Global Humanity
أفعال مهمة في الخبر
يُحوِّل Mentransformasi Transform
يتفاوض Bernegosiasi Negotiate
يصمد Bertahan (Survive) Survive / Withstand
يشلّ Melumpuhkan Paralyze / Cripple
يتصاعد Meningkat / Memanas (Eskalasi) Escalate
يضغط Menekan / Memberikan tekanan Pressure / Exert pressure
يحمي Melindungi Protect
تابع آخر الأخبار والمقالات على قناتنا في تيليجرام
اشترك الآن ليصلك كل جديد وتحليلات حصرية مباشرة على هاتفك من قناة اندونيسيا اليوم عبر تيليجرام.



انضم إلى قناتنا على تيليجرام

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.