- يُسلط النص الضوء على التحديات العميقة التي تواجهها خطة الرئيس الإندونيسي برابوو الاقتصادية الطموحة، والمعروفة بـ”برابوونوميكس”، إثر تفشي سردية “بيع إندونيسيا” التي دفعت المستثمرين الأجانب لسحب رؤوس أموالهم بشكل مكثف؛ بسبب القلق المتزايد من التحول نحو “رأسمالية الدولة”.
- يستعرض المقال التداعيات السلبية لظاهرة هروب رؤوس الأموال على الاقتصاد المحلي، والمتمثلة في تراجع قيمة الروبية وهبوط المؤشرات المالية الكلية، موضحاً الفارق الجوهري بين التدخل الحكومي في إندونيسيا التي تتمتع بسوق مفتوحة، والنموذج الصيني الذي يعتمد على فرض رقابة سيادية صارمة لحركة الأموال.
- يُقدم الكاتب خمس خطوات استراتيجية وعملية لاحتواء الأزمة الراهنة، تشمل التمسك بالإصلاحات الهيكلية، وحماية احتياطيات النقد الأجنبي، والحد من الإنفاق الشعبوي، ورفع أسعار الفائدة إذا لزم الأمر، بالتزامن مع تحسين التواصل المؤسسي لجذب المستثمرين مجدداً تحت شعار “شراء إندونيسيا”.
بقلم: محمد شرقاوي رؤوف
طرح جورج بوبوراس، رئيس الأبحاث في صندوق التحوط “كيه تو لإدارة الأصول”، سردية “بيع إندونيسيا” للمرة الأولى. واللافت أنه تخلى عن كافة الأصول المالية الإندونيسية منذ عام ٢٠٢٤، وفق ما أوردته صحيفة “ذا ستريتس تايمز” في ٥ يونيو/حزيران ٢٠٢٦.
وتُنذر هذه السردية بعرقلة خطط الرئيس برابوو الرامية إلى تحقيق نمو اقتصادي يتراوح بين ٦,٠٪ و٨,٠٪ خلال الفترة الممتدة من عام ٢٠٢٦ إلى عام ٢٠٢٩؛ وذلك لارتفاع “فجوة المدخرات والاستثمارات”، أي التفاوت الملحوظ بين حجم الاستثمارات والمدخرات الوطنية.
فخلال العقد الماضي، لم تتجاوز المدخرات الوطنية ما نسبته ٣٠٪ إلى ٣٥٪ من الناتج المحلي الإجمالي. وفي المقابل، يتطلب تسريع وتيرة النمو الاقتصادي للوصول إلى ٨,٠٪ ضخ أموال استثمارية تبلغ قيمتها ١١ ألف تريليون روبية.
وثمة فجوة في المدخرات والاستثمارات تبلغ ٤٤٠٠ تريليون روبية، وهي فجوة يتحتم سدها عبر التمويل الخارجي باستخدام أدوات مالية متنوعة، كالأوراق المالية الحكومية والأسهم. وفي الوقت ذاته، لا تتجاوز المدخرات الوطنية ٦٦٠٠ تريليون روبية.
رأسمالية الدولة
لقد تفجرت سردية “بيع إندونيسيا” إثر التحول الجذري في استراتيجية التنمية الاقتصادية الوطنية، بالانتقال من نظام السوق الحرة الليبرالية إلى اقتصاد السوق الذي تديره الدولة، أو ما يُعرف بـ”رأسمالية الدولة”. ويُطلق على هذا التوجه أيضاً مصطلح “الاقتصاد الدستوري”، استناداً إلى المادة الثالثة والثلاثين من دستور جمهورية إندونيسيا.
ومما يجدر ذكره أن الرئيس الإندونيسي الثامن، برابوو، قد استهل ولايته منذ اليوم الأول بطرح استراتيجية تنموية باتت تُعرف بـ”برابوونوميكس”. وهي استراتيجية تتجاوز مفاهيم الرأسمالية والاشتراكية التقليدية على حد سواء.
وتعمل هذه الاستراتيجية على إحداث تحول في بوصلة الاقتصاد الوطني، لينتقل من آليات السوق التي تديرها “اليد الخفية” إلى آليات تخضع لسيطرة “اليد المرئية” المتمثلة في الحكومة.
وتتمحور السردية الأساسية لسياسات “برابوونوميكس” حول تولي الدولة إدارة ثروات الموارد الطبيعية وتسخيرها لرفاهية الشعب. وبذلك، لم تعد الدولة مجرد متفرج، أو جهة تنظيمية، أو حَكَم، بل غدت المحرك الأساسي والنشط للتنمية الوطنية.
ولقد أثبتت التجارب أن استراتيجية التنمية الاقتصادية القائمة على السوق الليبرالية لم تثمر سوى عن تفاقم التفاوت في السيطرة على الأصول الوطنية.
واستناداً إلى بيانات “مركز الدراسات الاقتصادية والقانونية”، يستحوذ خمسون شخصاً من أثرياء إندونيسيا على ثروات وطنية تُقدر بنحو ٢٦٣ مليار دولار أميركي، وهو ما يعادل ٤٦٨١,٤ تريليون روبية، بناءً على سعر صرف يبلغ ١٧٨٠٠ روبية للدولار الواحد.
والجدير بالذكر أن أكثر من نصف هذه الثروات، أي نحو ٥٧٪ من ثروات هؤلاء الأثرياء الخمسين، تتأتى من الصناعات الاستخراجية وإدارة الموارد الطبيعية.
وتعمد التكتلات الاقتصادية الكبرى في إندونيسيا إلى تصدير سلع الموارد الطبيعية إلى الخارج، ثم إيداع عائدات التصدير من النقد الأجنبي في دول ثالثة، مما يحول دون عودتها إلى إندونيسيا لتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي المحلية.
ويتعارض هذا الوضع تماماً مع النموذج الصيني؛ حيث تعود عائدات التصدير إلى البلاد، مما جعل الصين تتصدر دول العالم كصاحبة أكبر احتياطي من الدولار الأميركي، بحجم يصل إلى ٣,٥ تريليون دولار أميركي في عام ٢٠٢٦. ويتولى بنك الشعب الصيني إدارة هذه الاحتياطيات لتعزيز قيمة اليوان الصيني مقابل الدولار.
وفي سياق متصل، طرح الرئيس برابوو سردية أخرى أطلق عليها “سياسات الجشع الاقتصادية”. وتستهدف هذه السردية الفاعلين الاقتصاديين المهيمنين في السوق، الذين يستغلون مراكزهم الاحتكارية للتحكم بالأسواق بغية استغلال المستهلكين وفرض أسعار بيع باهظة.
ويُعد هذا السلوك في عُرف قوانين مكافحة الاحتكار إساءة استخدام للقوة الاحتكارية في السوق. وتمثل “سياسات الجشع الاقتصادية” انتهاكاً صارخاً للقانون رقم خمسة لعام ١٩٩٩ بشأن حظر الممارسات الاحتكارية والمنافسة غير المشروعة.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أقر الرئيس برابوو سياسة جديدة تعتمد نظام “النافذة الواحدة” لتصدير ثلاث سلع حيوية من الموارد الطبيعية، وهي: زيت النخيل الخام ومُشتقاته، والفحم، والسبائك الحديدية (سبائك الحديد والنيكل الحديدي).
وتُدار عملية تصدير هذه السلع الثلاث عبر شركة “دانانتارا سومبر دايا إندونيسيا”. وتهدف هذه الخطوة إلى التصدي لممارسات التسعير التحويلي والفوترة بأقل من القيمة الحقيقية في التقارير الجمركية، والتي تُتخذ ذريعة للتهرب من الضرائب المرتفعة.
وتضمن هذه الآلية في التصدير الاحتفاظ بعائدات النقد الأجنبي داخل البلاد، مما سيُسهم في تعزيز احتياطيات الدولار الأميركي لدى بنك إندونيسيا المركزي، والتي لم تتجاوز ١٤٥ مليار دولار أميركي في يونيو/حزيران ٢٠٢٦، في حين يُفترض أن تصل إلى ١٩٠ مليار دولار أميركي.
المشاعر السلبية
لقد أدت المشاعر السلبية تجاه السياسات المذكورة آنفاً إلى تخلص المستثمرين العالميين من الأدوات المالية الإندونيسية. وأسفرت سردية “بيع إندونيسيا” عن ضغوط هائلة دفعت المؤشر المركب لأسعار الأسهم وقيمة الروبية مقابل الدولار إلى أدنى مستوياتهما.
وانسحب هذا التراجع على الملكية الأجنبية في الأوراق المالية الحكومية، التي انخفضت من ٤١٪ في عام ٢٠١٨ إلى ١٣٪ فقط بنهاية عام ٢٠٢٥، لتُسجل تراجعاً بنسبة ٨,٠٪ خلال السنوات السبع الماضية.
ورغم أن ظاهرة تخارج رؤوس الأموال ليست جديدة، إلا أن الأسبوع الماضي شهد تعمداً في ترويج سردية “بيع إندونيسيا” على نطاق واسع؛ لتكون بمنزلة حركة مقاومة ضد سياسات “برابوونوميكس” التي تُعلي من شأن الرقابة الحكومية أو ما يُعرف بالتنموية التابعة للدولة.
ولا تُعد استراتيجية التنمية الحكومية بدعاً من القول على المستوى العالمي، إذ تطبقها الحكومة الصينية بنجاح. غير أن الفارق يكمن في أن رأسمالية الدولة الصينية تعمل في كنف نظام صارم للرقابة على حركة رؤوس الأموال؛ مما يُبطل مفعول المشاعر السلبية للمستثمرين العالميين تجاه سعر صرف اليوان الصيني مقابل الدولار.
أما في إندونيسيا، فالأمر على النقيض؛ إذ تُطبق رأسمالية الدولة في ظل نظام يتمتع بحرية حركة رأس المال. ونتيجة لذلك، تؤدي المشاعر السلبية الناجمة عن عدم اليقين إزاء السياسات إلى تدفق صافٍ لرؤوس الأموال الأجنبية إلى الخارج من الأدوات المالية الإندونيسية، وهو ما يُلقي بظلاله القاتمة على المؤشر المركب، وسعر صرف الروبية، وأسعار الأوراق المالية الحكومية، وأوراق بنك إندونيسيا المالية بالروبية.
التدابير الاستباقية
إزاء هذا المشهد، يتساءل المراقبون: ما التدابير التي بوسع الحكومة الإندونيسية والبنك المركزي اتخاذها لمواجهة سردية “بيع إندونيسيا” التي تُروّج انطلاقاً من سنغافورة؟
-
الخطوة الأولى: التمسك الصارم برؤية “برابوونوميكس” القائمة على مفهوم رأسمالية الدولة، وتكريس آليات السوق الخاضعة لتوجيه الحكومة.
-
الخطوة الثانية: الحفاظ على متانة بنك إندونيسيا المركزي، لضمان ألا يؤدي تدخله في سوق النقد الأجنبي لمجابهة السردية المذكورة إلى استنزاف احتياطياته من الدولار، التي تبلغ حالياً نحو ١٤٥ مليار دولار أميركي، بعد أن كانت تسجل ١٥٦ مليار دولار أميركي في مطلع عام ٢٠٢٦.
-
الخطوة الثالثة: إدارة التصورات المتعلقة بعلاوة مخاطر الدولة في مواجهة سردية البيع؛ لا سيما تلك المخاطر المرتفعة الناجمة عن ضعف الانضباط المالي. لقد حان الوقت لتصحيح المسار المالي الحكومي، وتقليص البرامج الشعبوية التي تستنزف ميزانيات ضخمة.
-
الخطوة الرابعة: الإبقاء على خيار رفع سعر الفائدة المرجعي لبنك إندونيسيا إلى ما بين ٥,٧٥٪ و٦,٠٪؛ ليكون تعويضاً عادلاً عن المخاطر العالية المترتبة على الاحتفاظ بالأصول المقومة بالروبية، وهو سلاح فعّال لإبطال مفعول السردية المروجة من سنغافورة.
-
الخطوة الخامسة: استقطاب المستثمرين الأجانب مجدداً نحو الأوراق المالية الحكومية وسوق الأسهم المحلية عبر إحياء سردية “شراء إندونيسيا”، على أن يقترن ذلك بإصلاحات ملموسة وشاملة، تبدأ بتبني خطاب تواصل مؤسسي أكثر احترافية وشفافية.
في المحصلة، لا ينبغي للدولة، ممثلة في سياسات “برابوونوميكس”، أن تنهزم أمام سردية “بيع إندونيسيا” التي استحالت إلى حركة مقاومة مناهضة لسياسات الإدارة الحالية. بل على العكس من ذلك، يجب أن تُشكل هذه السردية حافزاً لتعزيز موقف الحكومة في سعيها الحثيث لتحويل مسار الاقتصاد الوطني من الخضوع لليد الخفية في السوق، إلى الانضواء تحت إدارة اليد المرئية للحكومة.
تنويه مهمالمقالات المنشورة في باب الرأي تعبِّر عن وجهة نظر كاتبها فقط،
ولا تُمثِّل بالضرورة الموقف الرسمي لموقع «إندونيسيا اليوم».
| العربية | الإندونيسية | الإنجليزية |
|---|---|---|
| مصطلحات أساسية في الخبر (Istilah Penting) | ||
| رَأْسِمَالِيَّةُ الدَّوْلَةِ | Kapitalisme Negara | State Capitalism |
| المَوَارِدُ الطَّبِيعِيَّةُ | Sumber Daya Alam (SDA) | Natural Resources |
| فَجْوَةُ المُدَّخَرَاتِ وَالاِسْتِثْمَارَاتِ | Kesenjangan Tabungan-Investasi | Saving-Investment Gap |
| هُرُوبُ رُؤُوسِ الأَمْوَالِ | Pelarian Modal / Keluar Modal Asing | Capital Flight / Net Outflow |
| النَّقْدُ الأَجْنَبِيُّ | Valuta Asing (Valas) | Foreign Exchange |
| السُّوقُ الحُرَّةُ | Pasar Bebas / Pasar Liberal | Free Market |
| الاِحْتِكَارُ | Monopoli | Monopoly |
| الأَوْرَاقُ المَالِيَّةُ | Surat Berharga / Sekuritas | Securities |
| أفعال مهمة في الخبر (Kata Kerja Penting) | ||
| يَتَحَكَّمُ / يُسَيْطِرُ | Mengendalikan / Mengontrol | To control |
| يَسْتَثْمِرُ | Berinvestasi | To invest |
| يُصَدِّرُ | Mengekspor | To export |
| يَتَدَخَّلُ | Mengintervensi / Turun tangan | To intervene |
| يَسْتَغِلُّ | Mengeksploitasi / Memanfaatkan | To exploit |
| يَسْحَبُ / يَتَخَلَّى عَنْ | Melepas / Menarik (aset) | To withdraw / To sell off |
| يَنْخَفِضُ / يَتَرَاجَعُ | Menurun / Merosot | To decrease / To drop |