indonesiaalyoum.com
إندونيسيا اليوم

من فتح إندونيسيا دون أن يرفع سيفاً؟ من مكة أم غُجرات أم فارس؟ ولماذا ما زال المؤرّخون مختلفين؟

سلسلة: إندونيسيا بعيون عربية (المقال الرابع)

0 63
ملخص سريع
  • انتشر الإسلام في إندونيسيا سلمياً عبر التجارة والدعوة والمصاهرة، دون الحاجة إلى جيوش أو معارك عسكرية، مما يجعلها حالة استثنائية في التاريخ الإسلامي.
  • تتعدد الروايات التاريخية حول المصدر الأول للإسلام في الأرخبيل بين مكة، وغجرات الهندية، وفارس، إلا أن التأثير العربي المبكر يظل جذرياً وأساسياً في هذا الانتشار.
  • يجب التمييز تاريخياً بين وصول طلائع المسلمين الأوائل إلى سواحل إندونيسيا في القرن الأول الهجري، وبين الانتشار المؤسسي الواسع للدين في القرن الثالث عشر الميلادي.

في كثيرٍ من بلادنا العربية ارتبطت ذاكرةُ دخول الإسلام بأسماء الفاتحين والجيوش والسنوات والمعارك. تقول: هنا عبَر عمرو بن العاص، وهنا نزل الفاتحون، وفي هذه السنة رُفعت الراية. تاريخُنا مع الإسلام مكتوبٌ بالقادة والوقائع.

ثمّ تذهب إلى أكبر بلدٍ مسلمٍ في الأرض، إلى إندونيسيا، فتسأل: أين الجيش الذي فتحها؟

فلا تجد جيشاً.

لا نعرف جيشاً عربياً جاء إلى الأرخبيل ليفتحه وينشر الإسلام فيه. أكثرُ من مئتين وأربعين مليون مسلمٍ اليوم، وليس في أوّل حكايتهم مع الإسلام معركةٌ واحدة تُذكر. دخل الدينُ هادئاً، بلا ضجيج، حتى إنّ المؤرّخين إلى اليوم يختلفون: من أين جاء؟ ومتى؟ وعلى يد مَن؟

وهذا الاختلاف نفسُه جزءٌ من الجواب. فالدين الذي يدخل على ظهر جيشٍ يترك خلفه سجلّاتِ المعارك وأسماءَ القادة. أمّا الذي يدخل في متاع التجّار فلا يترك إلا قبوراً ونقوشاً وكلماتٍ تسرّبت إلى اللسان. ومن أثرٍ خفيفٍ كهذا يصعب أن تُصنع رواية واحدة لا خلاف عليها.

فتعالَ نفتح الحكاية.

ثلاثة أجوبة، وثلاث جهاتٍ في البحر

اسأل المؤرّخين الإندونيسيّين: من أين جاءكم الإسلام؟ فلن تظفر بجوابٍ واحد. تظفر بثلاثة، كلٌّ منها يشير إلى جهةٍ أخرى من الماء.

أوّلها يقول: من الهند. هذه أشهر النظريّات في كتب المستشرقين. طرحها أوّلاً باحثٌ هولنديٌّ اسمه بايناپل، ثمّ اشتهرت وطوّرها من بعده سنوك هورخرونيه. وخلاصتها أنّ الإسلام لم يأتِ من بلاد العرب مباشرةً، بل عبر تجّارٍ مسلمين من إقليم غُجرات غربيّ الهند، في حدود القرن الثالث عشر. وحجّتهم شواهدُ القبور: فبعض أقدم الشواهد الإسلامية في سومطرا يشبه في طرازه شواهدَ غُجرات.

وثانيها يقول: من بلاد العرب رأساً. وهذا ما يذهب إليه كثيرٌ من علماء إندونيسيا أنفسهم، وفي مقدّمتهم المؤرّخ حمكا. وهم يرجعون بالوصول إلى زمنٍ أبكرَ كثيراً — إلى القرن الأوّل الهجري — ويستندون إلى أخبارٍ صينيةٍ من عهد أسرة تانغ، تذكر عرباً مسلمين على سواحل سومطرا وفي موانئ الصين في ذلك الزمن المبكّر.

وثالثها يقول: من فارس. وأصحابه يلتفتون إلى ما في التديّن الإندونيسي من ملامحَ فارسية، لا سيّما في بعض مظاهر التصوّف، فيرون لبلاد فارس نصيباً في الحكاية.

مكة في جهة، وغُجرات في أخرى، وفارس ثالثة. فأيُّها الصواب؟

السؤال سؤالان

هنا يقع كثيرون في خطأٍ صغير: يحسبون السؤال واحداً، فيطلبون جواباً واحداً يُلغي ما عداه. والحقّ أنّ السؤال سؤالان، والخلطُ بينهما هو أصلُ الحيرة.

شيءٌ أن تسأل: متى وصل أوّلُ مسلمٍ إلى هذه الجزر؟

وشيءٌ آخر أن تسأل: متى صار أهلُ هذه الجزر مسلمين؟

بين السؤالين قرون.

أمّا وصولُ المسلمين فقديم. كان التجّار يعبرون هذه المياه قبل الإسلام أصلاً، في طريقهم إلى الصين. فلمّا أسلموا حملوا دينهم في السفن نفسها التي كانوا يحملون فيها بضاعتهم. فلا عجب أن نجد مسلمين على سواحل سومطرا في القرن الأوّل الهجري؛ فالطريق مفتوح، والسفن تمرّ، والموانئ تعرفهم.

لكنّ مرور التاجر شيء، وإسلامَ البلد شيءٌ آخر. أن يرسو تاجرٌ في ميناءٍ فيبيع ويشتري ويصلّي على ظهر مركبه، لا يجعل أهلَ الميناء مسلمين. الانتشار الحقيقي — أن يدخل الناسُ في الدين، وأن تقوم به ممالكُ ومدارسُ وقضاة — جاء متأخّراً، في حدود القرن الثالث عشر وما بعده.

وهنا يهدأ الخلاف. فالذي يقول «جاء الإسلام في القرن السابع» يتحدّث عن وصول الأوائل. والذي يقول «بل في الثالث عشر» يتحدّث عن انتشاره في الناس. وكلاهما صادق، لأنّ كلاًّ منهما يجيب عن سؤالٍ غير سؤال صاحبه.

حتى أزيومردي أزرا، وهو من أعمق من كتب في هذا الباب، ينبّه إلى أنّ دخول الإسلام إلى الأرخبيل ليس رواية واحدة بسيطة، بل عمليةٌ طويلة تداخلت فيها التجارةُ والدعوةُ والمصاهرةُ والسياسة عبر قرون.

تابع الأخبار والمقالات الأخرى على قناة واتساب
احصل على آخر الأخبار والمحتويات فور نشرها
انضم لقناة واتساب WhatsApp
شارك هذه المعلومات المفيدة مع أصدقائك!

ولنا على هذا شاهدٌ نلمسه بأيدينا. ففي شمال سومطرا حجرُ قبرٍ للسلطان مالك الصالح، أوّل سلاطين مملكة سامودرا باساي المسلمة، تذكر كتابتُه أنه تُوفّي سنة 696 للهجرة، نحو سنة 1297 للميلاد. حجرٌ واحد يختصر الحكاية: فهو من جهةٍ دليلٌ على أنّ الإسلام صار في هذه الجزر دولةً وسلطاناً وقبراً منقوشاً بالعربية، لا مجرّد تاجرٍ عابر. وهو من جهةٍ أخرى شاهدٌ على تأخّر هذا التحوّل إلى أواخر القرن الثالث عشر، بعد قرونٍ من مرور أوائل المسلمين. بين المركب العابر في القرن الأوّل والقبر المنقوش في القرن السابع تمتدّ الحكاية كلّها.

فأين العرب من هذا كلّه؟

قد تقول: حسناً، لكن مَن حمل الدين في النهاية؟

الصورة الأقرب إلى الحقيقة أنّ الإسلام لم يعبر المحيط في خطٍّ واحد من جهةٍ واحدة. كانت هناك شبكةٌ بحرية واسعة تمتدّ في المحيط الهندي، يلتقي فيها عربٌ وهنودٌ وفرسٌ ومسلمون من مناطق شتّى، تتبادل البضائع والأفكار والدين معاً. في هذه الشبكة كانت للصلة بالعالم العربي والحجاز مكانةٌ مبكّرة وقويّة، لكنها لم تكن الطريق الوحيد.

ومع ذلك، فإنّ للأصل العربي وزناً لا يُنكَر في أوّل الحكاية وفي عمقها. فأزرا نفسه يرى أنّ صِلة الإسلام بالأرخبيل تعود في جذرها إلى بلاد العرب عبر طرق التجارة، وأنّ أهل الأرخبيل تفقّهوا على مذهب الشافعي، وهو مذهب الحجاز واليمن وحضرموت. وهذه قرينةٌ على متانة الصلة العربية، وإن لم تكن وحدها حاكمةً في تحديد المنبع الأوّل.

فالأرجح أنّ الصلة العربية قديمةٌ وأساسية، وأنّ الهند وفارس محطّتان على الطريق ورافدان في الحكاية، لا خصمان لها. وشواهدُ القبور الغُجراتية لا تقول أكثرَ من أنّ الحجر جاء من الهند؛ وقد يُجلَب الحجرُ من مكان، ويُدفَن تحته رجلٌ حمل دينَه من مكانٍ آخر.

على أنّ الإنصاف يقتضي القول: لا أحد يملك اليوم أن يحسم الأمر حسماً لا مِراءَ فيه. النقوش قليلة، والوثائق المبكّرة نادرة، والبحر لا يحفظ سجلّاته. والتواضع أمام التاريخ خيرٌ من ادّعاء اليقين حيث لا يقين.

بعين العربي

ولعلّ العربيَّ يشعر هنا بما لا يشعر به سواه.

هو معتادٌ أن يقرأ تاريخ الإسلام مقروناً بالفتوح: جيوشٌ تعبر، ورايات تُرفع، ومدائنُ تُفتح. ثمّ يأتي إلى أقصى الشرق، إلى أكبر بلدٍ مسلمٍ في الأرض، فيجد الحكاية مختلفة. جاءها الدينُ في متاع تاجر، وفي خُلُق رجلٍ صادقٍ في بيعه وشرائه.

وقد تأمّل المستشرق توماس أرنولد هذا الانتشار، فقال إنّ الدعوة نفذت هنا بقوّة الإقناع وحدها. وهي عبارةٌ جميلة، وإن كانت لا تختصر القصّة كلّها؛ فالدراسات الحديثة ترى الأسلمة عمليةً طويلة اجتمع فيها التجارةُ والدعوةُ والمصاهرةُ والعلماءُ والمتصوّفة والشبكاتُ البحرية والسلطناتُ المحلية. لكنّ ما يبقى صحيحاً في كلمة أرنولد أنّ السيف لم يكن من أدوات هذه القصّة.

وفي هذا للعربيّ درسٌ قبل غيره: أنّ واحدةً من أعظم قصص انتشار الإسلام عدداً واتساعاً في العالم لم تبدأ بجيشٍ فاتح، بل بتجّارٍ وعلماءَ ودعاةٍ لم تحفظ الكتبُ أكثرَ أسمائهم، حملوا دينهم في سلوكهم قبل أن يحملوه في كلامهم.

المعنى

ولعلّ في غموض البداية معنى.

كنّا نودّ لو عرفنا اسمَ أوّل مركبٍ حمل الإسلام إلى سومطرا، واسمَ أوّل تاجرٍ نطق الشهادة على رمالها. لكنّ التاريخ حفظ النتيجة ونسي الأسماء.

وربما كان هذا أليقَ بما جرى. فدينٌ انتشر بالإقناع لا بالقهر، ودخل القلوب واحداً واحداً لا دفعةً واحدة، من حقّه ألّا يُنسب فضلُه إلى بطلٍ واحد. الفضلُ فيه موزّعٌ على آلافٍ لا نعرف أكثرهم: تاجرٍ صادق، وعالمٍ عابر، وامرأةٍ تزوّجت فحملت الدين إلى بيتها وولدها.

جاء الإسلام إلى إندونيسيا كما يأتي المطرُ إلى الأرض: لا تدري أين وقعت أوّلُ قطرة، لكنّك ترى الأرضَ وقد اخضرّت كلُّها.

 

لكنّ هذا التاجر الذي حمل ديناً ولم يحمل سيفاً، من كان؟ وكيف صنع بخُلُقه ما تعجز عنه الجيوش؟ تلك حكايتنا في الأسبوع القادم.

مصادر ومراجع المقال

  • Azyumardi Azra, Islam in the Indonesian World: An Account of Institutional Formation.
  • Michael Laffan, The Makings of Indonesian Islam: Orthodoxy and Identity in a Diasporic Sufism.
  • M. C. Ricklefs, A History of Modern Indonesia Since c.1200.
  • Thomas W. Arnold, The Preaching of Islam (وترجمته العربية: الدعوة إلى الإسلام).
  • HAMKA (حمكا)، في طرح النظرية العربية/المكية لدخول الإسلام.
  • محمود شاكر السوري، إندونيسيا (مصدر عربي عام).

تنويه مهم
المقالات المنشورة في باب الرأي تعبِّر عن وجهة نظر كاتبها فقط،
ولا تُمثِّل بالضرورة الموقف الرسمي لموقع «إندونيسيا اليوم».
قاموس إندونيسيا اليوم
العربية + مثال الإندونيسية الإنجليزية
الأَرْخَبِيلُ
يَتَكَوَّنُ الأَرْخَبِيلُ الإِنْدُونِيسِيُّ مِنْ آلَافِ الجُزُرِ الْمُتَنَاثِرَةِ.
Nusantara / Kepulauan
Kepulauan Indonesia terdiri dari ribuan pulau yang tersebar.
The Archipelago
The Indonesian archipelago consists of thousands of scattered islands.
التُّجَّارُ
لَعِبَ التُّجَّارُ المُسْلِمُونَ دَوْراً بَارِزاً فِي نَقْلِ الدِّينِ مَعَ بَضَائِعِهِمْ.
Para Pedagang / Saudagar
Para pedagang Muslim memainkan peran penting dalam membawa agama bersama barang dagangan mereka.
The Merchants / Traders
Muslim merchants played a prominent role in bringing the religion along with their merchandise.
قُوَّةُ الإِقْنَاعِ
تَمَدَّدَتِ الدَّعْوَةُ فِي هَذِهِ البِلَادِ بِقُوَّةِ الإِقْنَاعِ، لَا بِالسَّيْفِ.
Kekuatan Persuasi / Daya Bujuk
Dakwah berkembang di negeri-negeri ini dengan kekuatan persuasi, bukan dengan pedang.
Power of Persuasion
The call to Islam expanded in these lands through the power of persuasion, not by the sword.
شَوَاهِدُ القُبُورِ
تُعَدُّ شَوَاهِدُ القُبُورِ دَلِيلاً تَارِيخِيّاً عَلَى وُجُودِ المُسْلِمِينَ الأَوَائِلِ فِي سُومَطْرَا.
Batu Nisan
Batu nisan menjadi bukti sejarah keberadaan umat Islam awal di Sumatra.
Gravestones / Tombstones
Gravestones are historical evidence of the presence of early Muslims in Sumatra.
المُؤَرِّخُونَ
لَا يَزَالُ المُؤَرِّخُونَ مُخْتَلِفِينَ حَوْلَ المَصْدَرِ الأَوَّلِ لِدُخُولِ الإِسْلَامِ.
Para Sejarawan
Para sejarawan masih berbeda pendapat mengenai sumber pertama masuknya Islam.
The Historians
Historians still disagree on the primary source of the introduction of Islam.
اِنْتَشَرَ (فعل)
اِنْتَشَرَ الدِّينُ الإِسْلَامِيُّ فِي الجُزُرِ بِهُدُوءٍ وَسَلَامٍ بَعِيداً عَنِ المَعَارِكِ.
Menyebar (Kata kerja)
Agama Islam menyebar di kepulauan tersebut dengan tenang dan damai jauh dari peperangan.
Spread (Verb)
The Islamic religion spread in the islands quietly and peacefully, away from battles.
اِعْتَنَقَ (فعل)
اِعْتَنَقَ أَهْلُ المِينَاءِ الإِسْلَامَ بَعْدَ مُخَالَطَتِهِمْ لِلتُّجَّارِ وَالدُّعَاةِ.
Memeluk / Menganut (Kata kerja)
Penduduk pelabuhan memeluk Islam setelah bergaul dengan para pedagang dan pendakwah.
Embraced / Converted to (Verb)
The people of the port embraced Islam after associating with merchants and preachers.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.